تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اعتقل سبعمائة شخص وبقي منهم خمسمائة موقوفين، ومن بينهم مائة وخمسون ألقي عليهم القبض أثناء التباسهم بالجريمة، أو لتملكهم بعض الأسلحة، وسيحالون على المحاكم العسكرية، وتتراوح الأحكام عليهم بين عام وخمسة أعوام سجنا حسب القانون، وأبعد ثلاثمائة وخمسون فردا إلى جنوب تونس.

والحقيقة أن اعتقالات بالجملة أجريت في مدن وقرى الدخلة، وقد بلغ عددهم على أقل تقدير ألفي نسمة (تقرير الاتحاد العام التونسي للعمل)، وقد وصف بعض الصحفيين جهة الدخلة بعد أن مرت بها العاصفة فقال مراسل «النهضة» التونسية في عددها الصادر 2 / 2 / 1952:

اليوم القرية جائعة، لم يبق شيء من المؤن في بيت من البيوت، ولم يبق ملبوس، وتعددت النسوة المسنات والأرامل - كفاطمة حجي مثلا التي في كلفتها عائلة مكونة من أربع بنات وصبي لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره - اللاتي لم يبق شيء في بيوتهن واللاتي أضعن حتى جهاز بناتهن بعد أن أمضين أعواما في إعداده.

أما البقالات الخمس الموجودة في القرية، فقد نهبها الجنود نهبا كليا ولم يبقوا فيها شيئا، وفي اثنتين منها مثلا كانت الرفوف خاوية، وكان على أرضها السكر والحمص مبددا مبللا بالنفط.

وقال الصحفي العالمي سول تاس

Sol Tas :

3

لقد تجولت بجهة الدخلة مقتفيا آثار اللفيف الأجنبي ... ومررنا بالقرية، وقد اختلطت التوابل والزيوت بالتراب وكونت فوق الأرض طبقة سميكة متسخة، وذلك كل ما بقي من بقالة كانت مزدهرة منذ يومين، وجميع الدكاكين خاوية فارغة مدمرة، وفي زاوية لطخها الوحل قطعة قماش تلمع وتبرق، وهي من القماش المطرز بالذهب للباس النسوة، وقد سرق جميعه ما عدا تلك القطعة، ونسفت المفرقعات خمسة بيوت، وكان أحدهما جديدا، وفي زاوية تحت بقايا حائط مهدم ثلاثة أطفال صغار فوق حصير، وهو جميع ما بقي من الأثاث كله، وصاحب الملك واقف بجانب تلك الخرابات ووجهه مغطي بردائه، تتردد زفراته مع أنفاسه فترجه رجا رغم محاولته التغلب عليها، ووقفت زوجته وشرعت تمشي بين الأنقاض وتضرب على صدرها، وسألت عن معني صيحاتها المتكررة، فترجموها إلى: «إخواني، إخواني، لقد ضاع مني كل شيء.» وبقي صوتها يتبعنا إلى أن غادرنا الشارع.

لقد نهب جميع الطعام والمؤن وجميع المال وجميع المصوغ، وهو ثمرة عمل هؤلاء القرويين حياتهم كلها.

وقد تركت عملية «التطهير» منطقة الدخلة في حالة دمار لن تستطيع النهوض إلا بعد وقت طويل، وسينشأ الأطفال هناك وأمام أعينهم أشباح من الخرائب والفظائع، وسيشب الكثير منهم في اليتم والتعاسة، أما الفتيات المغتصبات فسيحملن في نفوسهن مرارة تلك الشناعة طول الحياة، وستشهد البيوت وأضرحة الأولياء والمساجد على مرور السفاحين النهابين الهدامين الذين أوفدتهم وزارة الدفاع الفرنسية إلى تلك البقاع.

ولقد طالب شعب تونس باحترام كرامته وسيادته بحق تونس في أن تكون لها حكومة وطنية تونسية ونظام تمثيلي نيابي ديمقراطي، فأجابه ممثلو فرنسا بالقمع وعمليات «التطهير».

إن ضمير كل إنسان حر مهما يكن جنسه أو دينه ليحكم حكمه البات على ذلك الصنيع.

وقد قامت وزارة دولة السيد محمد شنيق الوطنية بواجبها نحو المنكوبين؛ إذ لم تكتف بمجرد الاحتجاج، بل كونت في الحال لجنة تحقيق مؤلفة من اثنين من أعضائها: هما وزير الدولة محمود الماطري ووزير الصحة محمد بن سالم، وطلبت رسميا من الإقامة العامة أن ترسل نائبا عنها ينضم إلى لجنة التحقيق، فسكتت الإقامة العامة عن ذلك، وبعد أن زارت اللجنة جميع مدن الدخلة وقراها وقامت يبحث دقيق على العين سجلت ما شاهدته من حقائق وفظائع في تقرير رسمي، حتى لا يبقى للسلطات الفرنسية مجال للتلاعب بالألفاظ وإنكار الواقع المحسوس، فابلغ السيد محمد شنيق نسخة من ذلك التقرير إلى الإقامة العامة الفرنسية وأردفها بهذه الرسالة:

تونس الثائرة · الصفحة ١١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ١١٦