ولكن فضيحتها لم تأت هذه المرة من تونس، ولكن من باريس على لسان أحد الساسة الفرنسيين النزهاء المعتدلين وهو جاك فونلب اسبرابير
Fonlupt-Esperaber
المنتمي إلى حزب
MRP
الكاثوليكي الذي أقام الدليل القاطع على أن جرائم الدخلة مدبرة من قبل، وذلك في البرلمان الفرنسي، الجلسة الثالثة ليوم الثلاثاء أول أبريل سنة 1952
1
على إثر زيارة قام بها إلى تونس في أواخر مارس 1952. ونلاحظ أنه أتى في تضاعيف كلامه بنص الأمر المكتوب الذي سلمه الجنرال جارباي إلى ضباطه قبل عملية التطهير، والذي يثبت الإدانة الفرنسية إثباتا قطعيا، قال:
سمعت إذن نداء المقيم العام وما احتوى عليه من تلخيص للتاريخ القريب، فقد تحدث عن حركة القمع بجهة الدخلة قائلا إنها: لم تفق في شدتها الدرجة التي كان ينتظرها الإنسان من حركة مثلها.
وقد ذهبت إلى جهة الدخلة معتمدا على تجربة أكسبتني إياها أربعون سنة في المحاماة وفي وظائف عامة مختلفة، ويؤسفني أن أقرر أن التقرير الذي أعطوه لنا عن حوادث الدخلة لا يوافق الحقيقة، ولكن الإجراءات التي اتخذت كانت موافقة للأوامر الكتابية التي بيدي الآن والتي أصدرها الرجل المسئول، وإن تلك الأوامر في أقصى درجات العنف، وأنا أقرأ منها جملتين:
تكون معالجة كل قرية على حدة، واحدة واحدة، بكيفية تطمن السكان: اعتقال المشبوهين إما افتكاك أو استلام الأسلحة والذخيرة، وفي حالة المقاومة المسلحة يكون العمل بعنف إلى فناء أو استسلام تام من جانب الثائرين.
لا يمكن استعمال الأسلحة الثقيلة في أي حال من الأحوال، ولكن الرشاشات مرخص بها.
وقد تمكنت من بحث الحالة بالتدقيق، ولم يكن في جهة الدخلة غير التخريب المقرر المنظم من قبل، والذي أريد أن أقوله هو أن التخريب كان متناسقا بطريقة مضبوطة بعد انتهاء الاضطرابات، لقد خربوا بالديناميت عددا كبيرا من البيوت الواحد تلو الآخر.
وزاد بيانا لشهادته في جلسة البرلمان الفرنسي المنعقدة في يوم 5 / 6 / 1952 قال:
في القرى الثلاث التي زرتها خربت أكثر من عشرة بيوت، إنه لا محالة لا يعد خروجا عن القانون أن تخرب عمارة أثناء عملية حربية؛ إذ ذلك من الضروريات الحربية.
وليس خروجا عن القانون أن يعاقب شخص ارتكب جريمة أو جنحة عقابا مناسبا لجريمته أو لجنحته.
ولكن مما ليس في القانون في شيء، ومما يسمى في القانون الدولي بحملات تأديبية تأباها الأخلاق ويحرمها القانون، هو بعض العمليات التي جرت بتونس.
إن تلك الحملات التأديبية لا يمكن أن تستساغ في زمن الحرب، أما في حالة السلم، فهي لا تقبل أصلا من باب أولى وأحرى كما تعلمون، وخاصة أثناء عملية ليست بعملية حرب ولكنها عملية تخريب منسق.
هذا التقرير (يعني تقرير جارباي) يدل على أن العملية كانت مدبرة حقيقة إرادية منسقة، قد صرح الجنرال جارباي أنه أمر بها، وزاد قائلا: إن حدود أوامره لم تتعد في أي وقت من الأوقات.
وقد اعتمدنا في بحثنا لحوادث الدخلة على تقارير من شهد الحوادث من التونسيين، وعلى التقرير الرسمي لرئيس الحكومة التونسية والبعثة الطبية التونسية ومندوب المنظمة العمالية «الاتحاد العام التونسي للشغل»، وقد لاحظوا جميعا أن العمليات نفذت في كل مكان وفق خطة مرسومة واحدة، كما اعتمدنا على أقوال الصحفيين الأجانب الذين زاروا الجهة نفسها وشاهدوا آثار الحوادث وبحثوا المشكلة بحثا دقيقا.
2
فقد ساد الرعب جهة الدخلة مدة ستة أيام من 28 / 1 / 1952 إلى 2 / 2 / 1952، ففي تلك الفترة قامت الجيوش الفرنسية (ومن بينها جنود المظلات المرسلون من فرنسا وجنود الفرقة الأجنبية، ورجال الدرك، ومعهم عدد وافر من المستعمرين الذين جندوا لهذه المناسبة) بضرب حصار شديد على الجهة، ومنع الدخول إليها والخروج منها بعد تطويقها بالدبابات والمصفحات والقوات المسلحة، وشرع الجند في عمليات حربية حقيقية داخل المنطقة في ظل الحصار المضروب عليها وتحت ستار من الحديد والنار، وقد علق الاتحاد العام التونسي للشغل في تقريره على ما شهده ممثلوه بالكلمات الآتية: