نعم، إن وجوهنا لتحمر خجلا وغيظا نحن الذين شاهدنا حربين وعرفنا السجون والمحتشدات، يجب أن نفضح، وأنتم معنا، هذه الحملة الحربية التي تقع باسم الفرنسيين. إذن باسمنا جميعا وبدم أبنائنا وبالأموال التي يحصل عليها الشعب بعرق جبينه.
ولما ادلهمت الدنيا على الجنرال جارباي، وافتضحت أعماله، واستاء الرأي العام العالمي منها، وثار ضدها الضمير البشري، أصدر تكذيبا فنده الفرنسيون أنفسهم فيما بعد، وجاء في جريدة «ليموند» الباريسية بتاريخ 22 فبراير 1952 ما يلي:
لقد احتج الجنرال جارباي: «القائد الأعلى للجيوش بتونس» في تصريح لمراسل فرانس بريس الخاص، على الحملة الرامية إلى المس بسمعة الجيش وخلق جو ملؤه الشكوك والريب يريده الدستور الجديد لتنبيه الرأي الدولي لتونس الشهيدة، قال: «بعد البحث الذي قامت به السلطة العسكرية المختصة، فإني أكذب بصفة قاطعة أن الجنود قاموا بقتل الأطفال في أي قرية من الدخلة أو أي جهة أخرى من القطر التونسي، عن قصد أو عن غير قصد.
ولم تسجل أي شكوى للمحاكم في هذا الموضوع من عائلات الأطفال أو من السلطات التونسية، وإنه من اختصاص القضاء الفرنسي بتونس وحده - الذي يبحث شكوى السلطة العسكرية على حملة الأكاذيب التي كان الجيش ضحيتها - أن يقوم بفحص جثث الأطفال الذين ماتوا بتازركة، إذا ما رأى مصلحة في ذلك.»
وأضاف الجنرال جارباي قائلا: «صحيح أن تونسيين قتلوا وجرحوا أثناء الثورات والمظاهرات والعمليات البوليسية، ومات ثلاثون منهم لحينهم، وجرح ما يربو على مائة وأربعين، مات ثلاثون منهم بعد حين، فليس هناك قتل ولا جريمة قتل. وقد حدث موت هؤلاء التونسيين إما أثناء اشتراكهم في المظاهرات التي انقلب بعضها إلى ثورات حقيقية، وإما عند فرارهم أثناء عمليات التطهير التي جاءت من بعد.
وإن عدد التونسيين الذين قتلوا في هذه العمليات أربعة.»
وقد أيدت الجنرال جارباي في ادعائه الإقامة العامة الفرنسية بتونس، فأصدرت البلاغات تلو البلاغات زاعمة أن ما جرى في جهة الدخلة إنما هو مجرد عمليات تفتيش عن الأسلحة، وأن الجنود اكتفوا بالقيام بواجبهم البسيط. وقد علق الاتحاد العام التونسي للشغل على ادعاء الإقامة العامة في تقريره عن حوادث الدخلة قال: «ندرك اليوم بعد أن أصبح من الممكن مراجعة صحة الحوادث المذكورة مقدار الإجرام الذي اقترفته الإقامة العامة الفرنسية، عندما كانت تصدر بلاغاتها المقتضبة عن تلك الحوادث، وتذيع نداء تدعو فيه السكان إلى الهدوء، وتخبر جلالة الباي بأن الحكومة الفرنسية مستعدة لاستئناف المفاوضات مع التونسيين، تلك الحكومة التي أرسل وزير حربيتها جيوش الرعب والوحشية يفتكون بالسكان الآمنين، كما افتضح الكذب والبهتان الذي تضمنه البلاغ الذي ذكر أن ثلاث بيوت فقط نسفت، والواقع أن أكثر من 40 بيتا قد نسفت بالديناميت وعشرات من البيوت نهبت.
وهل كان لا بد من نسف البيوت لتفتيشها؟!»
زعم أن المقصود من العمليات المذكورة هو تجريد السكان من الأسلحة، ونشرت بعض الصحف أن ترسانة كاملة عثر عليها، ويستفاد من بلاغ أصدرته الإقامة العامة أنه عثر على الأسلحة الآتية:
35 بندقية حربية، 23 بندقية صيد، 13 بندقية من نوع قرايين ومدفع هاون واحد رقم 81، 2 مدافع رشاشة، 9 مسدسات رشاشة، 12 مسدسا، 20 لغما.
ولكن كيف يمكن تصديق هذه الإحصائية بعد أن زعم البلاغ الذي تضمنتها كذبا أن ثلاث بيوت فقط نسفت، ولم يذكر أن أسلحة الصيد كانت بيد أصحابها وفق تراخيص قانونية، ولم يذكر أن معظم الأسلحة الحربية التي تركتها جيوش المحور لم تعد صالحة للاستعمال.
والأعجب أن كلا من الجنرال جارباي والمقيم العام لم يكتفيا بالتكذيب، بل جرا أمام المحاكم الفرنسية بعض الصحف التونسية التي نشرت شيئا من الحقيقة عن حوادث الدخلة، ورفعا قضايا على كل من يتحدث عنها لكم الأفواه.