لهم وتفخيم أمر رؤياه حيث قال : ? يَا أَيُّهَا الْمَلأُ ? أما قوله : ? تَعْبُرُونَ ? فمعناه : تعلمون عبارة جنس الرؤيا علماً مستمراً ، وهي الانتقال من الصور الخيالية المشاهدة في المنام ، إلى ما هي صور وأمثلة لها ، من الأمور الآفاقية أو الأنفسية الواقعة في الخارج ، " وتعبرون " من العبور وهو المجاوزة ، تقول : عبرت النهر إذا قطعته ، والجمع بين الماضي والمستقبل للدلالة على الإستمرار ، واللام للبيان ، أو لتقوية العامل المؤخر لمراعاة الفواصل وهو " تعبرون " ، أو لتضمين تعبرون معنى فعل متعدٍ باللام كأنه قيل : " إن كنتم تنتدبون لعبارتها " ويجوز أن يكون للرؤيا خبر كان ، كما يقال : " فلان لهذا الأمر" إذا كان مستقلا به متمكنا منه (1).
والمتأمل في قوله تعالى : ? إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ? يتراءى له فهمٌ مفاده
أن قوله : "إن كنتم للرؤيا تعبرون " إنما هو تدليل على أنهم لم يكونوا في علمه عالمين بها ؛ ذلك أنه أتى بـ " إن " التي تفيد الشك (2).
الآية ( 44 ) قال تعالى : ? قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ ? لاتخلو آية أيها القارئ من كتاب الله من نكتٍ بلاغية تعجز أمراء البيان ، فبين أيدينا تعبيرغاية في الدقة وهو قوله تعالى : ? أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ ? فيه مبالغة ، فقد جمعوا " الضغث " وقالوا : " أضغاث أحلام " ؛ أي تخاليطها ، والضغث : في الأصل ما جُمع من أخلاط النبات وحُزِم ، ثم استعير لما تجمعه القوة المتخيلة من أحاديث النفس ، ووساوس الشيطان ،
1- تفسير أبي السعود 4/281
2- الفوائد المشوقة ص35