إن القرآن الكريم ليس له تلك المخلوقات العجيبة والمجسدة ليومهن ، وليست بالمعجزات التي تخرج في وقتها فيكون عمرها عمر ذلك الوقت ، ومن ثم لا يُعرف لها مكان ولا وجود ، فأين كلمات عيسى عليه السلام التي يحي بها الموتى ، وأين عصا موسى عليه السلام وأين يده ، لقد أدتا دورهما في الحياة ثم لم يعد لهما وجود ؛ فكلمات القرآن لم تخلق شيئاً من تلك الصور المعجزة ، شأنهن شأن الكلام المألوف الذي يجري على ألسنة الناس ، ولقد جعلهن الله يجرين على الألسنة إلى يوم القيامة ، لا تتغير صورهن ولا تتبدل بل يظللن هكذا ؛ كلامٌ مما يتواصل به الناس ، ويتعاملون به ، وينظمون أشعارهم ويؤلفون خطبهم ، كما كان شأن هذا الكلام قبل أن ينزل القرآن على نبينا الكريم عليه أفضل صلاة المصلين(1) .
غير أن هذا الكلام المألوف المعروف على ألسنة العرب حين ضمه القرآن إليه ، وجاءت آياته منه ، وجاءت عليه أحكامه وقصصه وجدله ومواعظه وزواجره قد أصبح منذ ذلك الوقت معجزة قاهرة ، تتحدى الناس جيلاً بعد جيل وأمة بعد أمة ، قال تعالى:? فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ? (2)،ومع أن اللغة لغتهم والحديث حديثهم والألفاظ هي نفسها التي يتلفظون بها،إلا أنه قد عجز أكثرهم بلاغة،وأفصحهم لساناً؛فلم يأتوا بآية واحدة (3). ولكن أين المعجزة في هذا الكلام ؟ وما الذي يبدو للناس منها ؟ وكيف يضع الناس أيديهم على المعجزة ، ويرفعون أبصارهم إليها ؟ ، لا تُرى
بالعين ولا تُلمس باليد ، ولم يخرج من هذا الكلام ما يراه الناس بأعينهم ، ولم
1- الإعجاز في دراسات السابقين :عبد الكريم الخطيب ، ص146
2- الطور 34
3- مناهل العرفان من علوم القرآن: محمد عبد العظيم الزرقاني،القاهرة،المطبعة الفنية،دت ص128