تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(الثَّانِي): أَنَّهُ إِذَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ أَوْ فِي السُّنَّةِ لفظٌ أَوْ مَعْنًى فَلَا يُقْدِم عَلَى الْقَوْلِ فِيهِ دُونَ أَنْ يَسْتَظْهِرَ بِغَيْرِهِ مِمَّنْ لَهُ عِلْمٌ بِالْعَرَبِيَّةِ فَقَدْ يَكُونُ إِمَامًا فِيهَا، وَلَكِنَّهُ يَخْفَى عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، فَالْأَوْلَى فِي حَقِّهِ الِاحْتِيَاطُ، إِذْ قَدْ يَذْهَبُ عَلَى الْعَرَبِيِّ المَحض بَعْضُ الْمَعَانِي الخاصة حتى يسأل عنها.

(النَّوْعُ الثَّانِي): أنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَ الشَّرِيعَةَ عَلَى رَسُولِهِ - ﷺ - فِيهَا تبيانُ كلِّ شيءٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْخَلْقُ فِي تَكَالِيفِهِمُ الَّتِي أُمروا بِهَا، وَتَعَبُّدَاتِهِمُ الَّتِي طُوِّقُوها فِي أَعْنَاقِهِمْ، وَلَمْ يَمُتْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى كَمَلَ الدينُ بِشَهَادَةِ اللهِ تَعَالَى بِذَلِكَ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: ﴿الْيوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلاَمَ دِينًا﴾ (١)، فكلُّ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ بَقِيَ فِي الدِّينِ شَيْءٌ لَمْ يَكْمُل فَقَدْ كُذِّب بقوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ .

فعلى الناظر في الشريعة أَمْرَانِ:

(أَحَدُهُمَا): أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا بِعَيْنِ الْكَمَالِ لَا بِعَيْنِ النُّقْصَانِ، وَيَعْتَبِرَهَا اعْتِبَارًا كُلِّيًّا فِي الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ، وَلَا يَخْرُجَ عَنْهَا البتَّة، لأنَّ الْخُرُوجَ عَنْهَا تِيهٌ وَضَلَالٌ وَرَميٌ فِي عَمَايَةٍ، كيف وقد ثبت كمالُها وتمامُها؟ فالزائد والمنقص فِي جِهَتِهَا هُوَ الْمُبْتَدِعُ بِإِطْلَاقٍ وَالْمُنْحَرِفُ عَنِ الجادة إلى بُنَيَّاتِ الطُرُق.

(الثاني): أَنْ يُوقن أَنَّهُ لَا تضادٌ بَيْنَ آيَاتِ الْقُرْآنِ وَلَا بَيْنَ الْأَخْبَارِ النَّبَوِيَّةِ وَلَا بَيْنَ أَحَدِهِمَا مَعَ الْآخَرِ، بَلِ الْجَمِيعُ جارٍ عَلَى مَهْيَعٍ (٢) وَاحِدٍ، وَمُنْتَظِمٍ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، فَإِذَا أدَّاه بادي الرَّأْيِ إِلَى ظَاهِرِ اخْتِلَافٍ فواجبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَقِدَ انْتِفَاءَ الِاخْتِلَافِ، لأنَّ اللهَ قَدْ شَهِدَ له أن لا اختلاف فيه.

(١) المائدة: ٣.

(٢) أي: طريقٍ واضحٍ.

مختصر كتاب الاعتصام · الصفحة ١٣٥

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر كتاب الاعتصامص ١٣٥