؛ إن اول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمه فعرفها فقال : ما عملت فيها ؟ قال : قاتلت فيك حتى استشهدت . قال : كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى القي في النار ، ورجل تعلم العلم وعلمه ، وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها . فقال ما عملت فيها ؟ قال : تعلمت العلم وعلمته ، قرأت القرآن فيك . قال : كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم ، وقرأت القرآن ليقال قارىء فقد قيل ، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى القي في النار . ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فأتي به فعرفه نعمه فعرفها ، فقال ما عملت فيها ؟ فقال : ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيه إلا انفقت فيها لك ، قال : كذبت ، لكنك فعلت ليقال : هو جواد ، فقد قيل ، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى القي في النار وفي الحديث : إن معاوية لما بلغه هذا الحديث بكى حتى غشي عليه ، فلما أفاق قال : صدق الله ورسوله ، قال عزوجل : ؛ من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم اعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون ، أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار« .
اعلان الجهاد
الاسلام دين واقعي جاد ، يتعامل مع الواقع بالمثل والقيم ، ويواجه الواقع بوسائل مكافئة ، فالجهاد عبادة جماعية لا يقوم الا بوجود جماعة تواجه المجتمع الجاهل أو الكافر ، ولذا فلم يفرض الجهاد في مكة لضعف المسلمين ولقلة عددهم وعجزهم عن مواجهة الجاهلية التي تعتمد على القوة والعدد .
ومادام الجهاد عبادة جماعية ؛ فلابد أن يكون صاحب الأمر في هذه العبادة هو أمير الجماعة المسلمة ، فهو الذي يعلن الجهاد . فأمير المؤمنين هو صاحب الشأن في قضايا الجهاد والسلم وذلك لان الامام نائب عن صاحب الشرع في حفظ الدين وسياسة الدنيا ؛ كما يقول الماوردي .
والإمام انما جعل إماما لحفظ الدين ، وحماية الديار ، وسد الثغور ، واقامة الحدود ، وحفظ الحقوق ، وصيانة الأعراض ، وتقسيم الغنائم ، وإقامة الشعائر الإسلامية ؛ كالصلاة والحج والصيام وجمع الزكاة وردع أهل الفساد .
يقول ابن قدامة في المغني :
(وأمر الجهاد موكول الى الإمام واجتهاده ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك )
وقد نص كثير من الفقهاء على حرمة الجهاد أو كراهته بدون إذن الإمام ، ولكنهم في نفس الوقت نص وا على أن الإمام لا يستأذن في أمور الجهاد في حالات :
1 - اذا عطل الإمام الجهاد .
2ـاذا فو ت الاستئذان المصلحة المعقودة .
3 -اذا علمنا أن الإمام لا يأذن بالجهاد .
وقد نص الفقهاء كذلك أنه :إذا عدم الإمام فإن الجهاد لا يعطل لفوات المصلحة المترتبة على الجهاد .
فإذا فقد الإمام ، فإن العلماء يقومون مقام الامام أو الرؤساء المطاعون في اقوامهم ، ويصبح أمير الحركة الاسلامية والعلماء المهابون المطاعون الذين عرفوا بالتقوى والعلم وسادة الأقوام هم أولوا الأمر إذا خلا الزمان من الإمام أو الخليفة وقد نص الفقهاء جميعا على أن : على الإمام أن يرسل جيشا الى بلاد الكفار مرة أو مر تين في السنة لإسقاط فرض الكفاية ، لأن فرض الكفاية لايحقق الا بإرسال الجيش المسلم مرة على الأقل في السنة للجهاد والا أثم وأثمت الأمة .
اعلام الكفار بالجهاد عليهم
وقد اختلف الفقهاء في حكم الجهاد قبل إعلام العدو ، إذ أن هذا الأمر يتوقف على حالة العدو نفسه :
1- الحالة الاولى :
فإن كان بين المسلمين وبين الكافر عهد سابق أو معاهدة أمان أو عقد ذمة ، فهذا يجب أن نوفي له بعهده ، والمسلمون على شروطهم مالم يكن ينقض الكافر عهده من جهته
2- والحالة الثانية :
اذا لم يكن بين المسلمين وبين الكفار عهد سابق ولكل من الحالتين تفصيل :
الحالة الاولى :
حالة العقد أو العهد بين المسلمين وبين الكفار .
والعهود التي يعقدها المسلمون للكفار نوعان :
ا - عقد دائم : وهذا يسمى عقد الذمة :
وهو عقد أمان دائم يعطى للكفار عامة على رأي الحنفية أو لأهل الكتاب والمجوس على رأي الشافعية مقابل دفع جزية سنوية يدفعها الذمي مقابل حمايته وسكنه في الدولة الاسلامية وإعفائه من الجزية .
وهذا العقد يجب الوفاء به ما وفى الذمي بعهده ، ولو خاف الإمام خيانة الذمي ولم تظهر دلالة كافية فلا يجوز للإمام نقض عهد الذمة من جهته لأن قوله تعالى : فإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء) فهذه الآية في أهل العهود الواقته (عهود الأمان) وليس في أهل الذمة ذوي العقود الدائمة الذين يعيشون تحت ظل الدولة الاسلامية .
ولذا يبقى عقد الذمة ساريا حتى ينقض الذمي عهده ، وذلك بإحداث أمور تعني أنه لايريد الالتزام بالعقد . أو القيام بجرائم تقطع عهد الذمة الذي اعطي له ومنها :
1- استخفافه بالمقدسات والمعتقدات الرئيسية الكبرى عند المسلمين :
مثل سب الله عزوجل ، أوسب رسوله صلى الله عليه وسلم أووطئه على المصحف ، هذه ليس لها جزاء عند جمهور الفقهاء الا القتل . وقد نص على القتل شيخ الاسلام في كتابه (الصارم المسلول على شاتم الرسول صلى الله عليه وسلم ) .
والقتل هو رأي المالكية والشافعية والحنبلية ، أما الحنفية فقال جمهورهم : ان عقد الذمة لا ينتقض بسب الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكن يعزر الذمي الذي يشتمه صلى الله عليه وسلم . والتعزير قد يصل الى حد القتل عند الحنفية سياسة ومصلحة ، وقد نص الكمال بن الهمام في فتح القدير وابن عابدين في حاشيته ورسائله ، والعيني أن الحق عند الحنفية : أن ينتقض عهد الذمي إذا شتم الرسول صلى الله عليه وسلم ويقتل (1)[فتح القدير 4/381. رسائل ابن عابدين 1/353. حاشية ابن عابدين 3/386].
قال القاضي عياض : (أما الذمي إذا صرح بسب أو عر ض واستخف بقدره فلا خلاف عندنا في قتله إن لم يسلم ، لأننا لم نعطه الذمة والعهد على هذا وهو قول عامة العلماء الا أبا حنيفة والثوري واتباعهما من أهل الكوفة .... وقد قتل خالد بن الوليد امرأة سبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكذلك قتلت عصماء اليهودية ، لايذائها النبي صلى الله عليه وسلم وسبه (2)[أنظر آثار الحرب للدكتور وهبة الزحيلي ص 376].