فقد ورد النهي عن قتل النساء والولدان في الصحيحين بروايات كثيرة ، هذا في الحالات العادية ، منها حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : (وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان) (4)[المصادر الثلاثة السابقة].
أما إذا قاتلت المرأة فإنها تقتل عند جمهور الفقهاء ، فقد قتل صلى الله عليه وسلم امرأة يهودية يوم قريظة لأنها ألقت رحى على محمود بن مسلمة ، وقتل الزبير بن باطا يوم الاحزاب ، وكان أعمى لمظاهرته على المسلمين مع قومه .
أما المالكية فإنهم بالغوا كثيرا في حقن دم المرأة ولو شاركت في القتال بالصياح أو الحراسة علي الاسوار كما قال الباجي وابن سحنون . (5) [أوجز المسالك 8/222].
واستدل المالكية بعدم قتل المرأة ولو شاركت في الصياح ضد المجاهدين بالحديث الذي رواه مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك : (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين قتلوا بن أبي الحقيق عن قتل النساء والولدان ، قال : فكان رجل منهم يقول : برحت بنا امرأة ابن أبي الحقيق بالصياح فأرفع السيف ، ثم أذكر نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكف ولولا ذاك لاسترحنا) [أوجز المسالك 8/220] .
ومعنى برح به : شق عليه ، وبرح الخفاء إذا ظهر .
والرأي الراجح الذي نميل اليه : أنها إن شاركت في القتال برأي ، أو صياح ، أو حراسة ، فإنها تقتل ، وهذا رأي الشافعية .
قتل الأجير والفلاحين الذين يعملون في أراضيهم
يرى بعض الفقهاء أن الأجير لا يقتل لأنه لا يتدخل في الحرب ، وكذلك الفلاحون الذين لا صلة لهم بهذه الامور ولا يشاركون لا برأي ولا بيد ، وقد استدلوا برواية أبي داود والنسائي وابن حبان لحديث رباح بن الربيع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة فرأى الناس مجتمعين ، فرأى امرأة مقتولة ، فقال : ما كانت هذه لتقاتل ... فقال لأحدهم : إلحق خالدا فقل له لا تقتل ذرية ولا عسيفا ) [فتح الباري 6/111].
والعسيف : هو الأجير وزنا ومعنى .
وقد روى الامام أحمد والبيهقي (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الوصفاء -العبيد - والعسفاء ) .
أما الفلاحون فقد جاء في كتاب عمر ( اتقوا الله في الفلاحين فلا تقتلوهم الا أن ينصبوا لكم الحرب ) البيهقي 9/91 وكذلك التجار فقد روى البيهقي ( كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقتلون تجار المشركين ) البيهقي 9/99
قتل الرهبان
يرى جمهور الفقهاء -عدا الشافعية- أن الراهب المعتزل في صومعته ، ولا يختلط بالناس فإنه لا يقتل .
وأما الشمامسة (كبار القوم وأئمة الكفر) فإنهم يقتلون لأن النصارى يصدرون عن آرائهم غالبا .
وكذلك يقتل القسيس الذي في الكنيسة ويختلط مع الناس .
أما الشافعية : فيرون قتله على كل حال لأنهم يقتلون ماعدا النساء والولدان الذين خصصهم النص عن الآية الكريمة (فاقتلوا المشركين ....)
ويستدل للشافعية بحديث رواه احمد ، وابو داود والترمذي وصححه عن سمرة بن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم ) [الترمذي 2/399].
واستدل الجمهور بأحاديث رواها أحمد والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما (لا تقتلوا أصحاب الصوامع) .
وبوصية أبي بكر ليزيد بن أبي سفيان رضي الله عنهم (انك ستجد قوما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله ، فدعهم وما حبسوا أنفسهم له ، وستجد قوما فحصوا من أوساط روؤسهم من الشعر فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف) (1) [أوجز المسالك 8/277].
ومعنى زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله : قال الباجي المالكي :( يريد الرهبان الذين حبسوا أنفسهم عن مخالطة الناس ، وأقبلوا على ما يد عون من العبادة ، وكفوا عن معاونة أهل ملتهم برأي ، أو مال ، أو حرب ، أو اخبار فهؤلاء لا يقتلون سواء كانوا في صوامع أو ديارات (أديرة) أو غيران - مغاور - أما رهبان الكنائس فقال ابن حبيب المالكي يقتلون لأنهم لم يعتزلوا أهل ملتهم ) ولا يسبى الرهبان ولا يخرجون من صوامعهم بخلاف الشافعي في قوله يسبون ويسترقون) (1) [أوجز المسالك 8/277].
وفي المبسوط (1) [المبسوط (10/127) ]. عن قتل الضعفاء (قال أبو يوسف سألت أبا حنيفة عن قتل النساء ، والصبيان ، والشيخ الكبير الذي لا يطيق القتال ، والذين بهم زمانة لا يطيقون القتال ، فنهى عن ذلك وكرهه.
وعن قتل الرهبان : قال أبو يوسف ومحمد ورواية الس ير الكبير عن أبي حنيفة : لا يقتلون.
وفي رواية : قال أبو يوسف : سألت أبا حنيفة عن أصحاب الصوامع ، والرهبان ، فرأى قتلهم حسنا وقال هؤلاء أئمة الكفر .
والجمع بين روايتي أبي حنيفة : الخلطة مع الناس . فمن اختلط يقتل ومن لم يختلط لا يقتل )
قال ابن عابدين : وفي الس ير الكبير : لا يقتل الراهب في صومعته، ولا أهل الكنائس الذين لا يخالطون الناس ، فإن خالطوا قتلوا كالقسيس .
ومعنى (فحصوا عن أوساط رءوسهم من الشعر) فحصوا : كشفوا أوساط رءوسهم بالحلاقة وهم الشمامسة (رؤساء النصارى جمع شماس) فاضربواما فحصوا عنه بالسيف : اقتلوهم .
مال الراهب :
روى ابن نافع عن مالك في الراهب له الغ ن ي م ة (الغنم القليل) والزرع في أرض الروم ، أنه لا يعرض له وذلك يسير ولا يعرض لبقره ولا لغنمه إذا عرف أنها له وقال سحنون : معنى قول مالك إذا كان قليلا قدر عيشه ، واما ماجاوز ذلك فلا يترك له . ومعنى قول سحنون : لان في استئصال ماله قتل له أو إنزاله عن موضعه وهذا غير جائز (1) [أوجز المسالك 8/228].
متى يرفع الحرج في قتل النساء والصبيان والضعفاء
يرفع الحرج ويزول الاثم إذا قتل الضعفاء في حالتين :
1ـحالة الغارات والقصف الثقيل : بالهاون والمدافع ، على المدن ، والمعسكرات ، والقرى ، والتجمعات الكافرة . وهذا رأي جمهور الفقهاء ؛ استنادا الى حديث البخاري عن الصعب بن جثامة رضي الله عنه قال (مر بي النبي صلى الله عليه وسلم بالأبواء أو بودان فسئل عن أهل الدار يبي تون من المشركين ، فيصاب من نسائهم وذراريهم قال : هم منهم )(1) [ فتح الباري 6 /]111 .
ومعنى يبي تون : أي يهجم عليهم أثناء البيات في الليل ، والرجال مختلطون بالنساء والولدان قال هم منهم : لا يعني جواز قتلهم قصدا وانما حكمهم كحكم آبائهم : في رفع الإثم ، ونفي الحرج ، إذا لم نستطع الخلاص والوصول الى آبائهم الا بقتلهم .
وقد جمع الفقهاء بين هذا الحديث وحديث ( النهي عن قتل النساء والولدان ) بأن الإثم رفع في هذه الحالة بسبب اختلاطهم ولا يكلف الله نفسا الا وسعها والطاعة على قدر الطاقة .