(8/ 72)، ومما يؤيد ذلك أن الأمر بقتال الكفار جاء بصيغة العموم أيضاً في غير هذه الآية كما في قوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ (التوبة: 29) فقوله تعالى: الذين لا يؤمنون يفيد العموم لأن الأسماء الموصولة من صيغ العموم كما هو معلوم، ومثله حديث بريدة: " قاتلوا من كفر بالله " فمَنْ هنا اسم موصول فهو يفيد العموم أيضاً، إن الحكيم الخبير لم يشأ أن يتركنا في حيرة الاحتمالات بل حدد لنا تحديداً قاطعاً الوصف الذي لأجله يقاتلون وهو كونهم مشركين، وقد جاء في حديث أسامة: " ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف الأنصاري فطعنته برمحي حتى قتلته فلما قدمنا بلغ النبي فقال: يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ قلت: كان متعوذاً، فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم " [متفق عليه].
وهذا الحديث يؤكد ما قلناه من أن علة قتال الكفار هي كفرهم؛ وذلك أن هذا الرجل ساعة أن قتله أسامة كان قد انتفى في حقه المعنيان: الكفر والحرابة، لأنه حينما قال: لا إله إلا الله صار مسلماً، وأيضاً فهو قد ترك الحرابة لأنه لا يمكن أن يقول لا إله إلا الله وهو لا يزال يقاتل، ومع انتفاء صفتي الكفر والحرابة فيه إلا أن الرسول لم ينكر على أسامة إلا قتله بعد انتهاء صفة الكفر فيه فقال له: أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟ ولم ينكر عليه أنه قتله بعد ما انتهت حرابته فدل ذلك على أن المعتبر في علة القتال هو الكفر لا الحرابة والله أعلم.
ثم إن كون العلة هي الكفر لما كان مستقراً عند أهل العلم فقد فسر به الإمام الخطابي عدم لزوم الدية لأسامة (رضي الله عنه) فقال: (وفيه أنه لم يُلزمه - مع إنكاره عليه - الدية، ويشبه أن يكون المعنى فيه أن أصل دماء الكفار الإباحة، وكان عند أسامة أنه إنما تكلم بكلمة التوحيد مستعيذاً لا مصدقاً به، فقتله على أنه كافر مباح الدم فلم تلزمه الدية، إذ كان في الأصل مأموراً بقتاله والخطأ عن المجتهد موضوع) (معالم السنن بهامش سنن أبي داود 3/ 102). أهـ.
وفصل الخطاب فيما تقدم:
1 - أن الكفار يجوز قتلهم لكفرهم.
2 - وأن قتالهم يجب لإدخالهم في الإسلام وهو جهاد الطلب.
3 - كما يجب لدفعهم عن الإسلام وهو جهاد الدفع وهو أوجب من جهاد الطلب.