السرور أو نفي ضد لازمه وهو الحزن قوله اتهبنني من الهيبة أي توقرنني قولهن أنت أفظ وأغلظ بالمعجمتين بصيغة افعل التفضيل من الفظاظة والغلظة وهو يقتضي الشركة في أصل الفعل ويعارضه قوله تعالى ﴿ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ فإنه يقتضي انه لم يكن فظا ولا غليظا والجواب ان الذي في الآية يقتضي نفي وجود ذلك له صفة لازمة فلا يستلزم ما في الحديث ذلك بل مجرد وجود الصفة له في بعض الأحوال وهو عند إنكار المنكر مثلا والله اعلم وجوز بعضهم ان الافظ هنا بمعنى الفظ وفيه نظر للتصريح بالترجيح المقتضي لحمل افعل على بابه وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يواجه أحدا بما يكره الا في حق من حقوق الله وكان عمر يبالغ في الزجر عن المكروهات مطلقا وطلب المندوبات فلهذا قال النسوة له ذلك قوله إيه يا بن الخطاب قال أهل اللغة أيه بالفتح والتنوين معناها لاتبتدئنا بحديث وبغير تنوين كف من حديث عهدناه و ايه بالكسر والتنوين معناها حدثنا ما شئت وبغير التنوين معناها زدنا مما حدثتنا ووقع في روايتنا بالنصب والتنوين وحكى بن التين انه وقع له بغير تنوين وقال معناه كف عن لومهن وقال الطيبي الأمر بتوقير رسول الله صلى الله عليه وسلم مطلوب لذاته تحمد الزيادة منه فكان قوله صلى الله عليه وسلم ايه استزادة منه في طلب توقيره وتعظيم جانبه ولذلك عقبه بقوله والذي نفسي بيده الخ فإنه يشعر بأنه رضي مقالته وحمد فعاله والله اعلم قوله فجا أي طريقا واسعا وقوله قط تاكيد للنفي قوله الا سلك فجا غير فجك فيه فضيلة عظيمة لعمر تقتضي ان الشيطان لا سبيل له عليه لا ان ذلك يقتضي وجود العصمة إذ ليس فيه الا فرار الشيطان منه ان يشاركه في طريق يسلكها ولا يمنع ذلك من وسوسته له بحسب ما تصل اليه قدرته فان قيل عدم تسليطه عليه بالوسوسة يؤخذ بطريق مفهوم الموافقة لأنه إذا منع من السلوك في طريق فأولى ان لا يلابسه بحيث يتمكن من وسوسته له فيمكن ان يكون حفظ من الشيطان ولا يلزم من ذلك ثبوت العصمة له لأنها في حق النبي واجبة وفي حق غيره ممكنة ووقع في حديث حفصة عند الطبراني في الأوسط بلفظ ان الشيطان لا يلقى عمر منذ اسلم الا خر لوجهه وهذا دل على صلابته في الدين واستمرار حاله على الجد الصرف والحق المحض وقال النووي هذا الحديث محمول على ظاهره وان الشيطان يهرب إذا رآه وقال عياض يحتمل ان يكون ذاك على سبيل ضرب المثل وان عمر فارق سبيل الشيطان وسلك طريق السداد فخالف كل ما يحبه الشيطان والأول أولى انتهى.
الحديث في صحيح مسلم
حدّثنا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ. حَدّثَنَا إِبْرَاهِيمُ (يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ). ح وحَدّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيّ وَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ (قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنِي. وَقَالَ حَسَنٌ: حَدّثَنَا) يَعْقُوبُ وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ حَدّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ أَنّ مُحَمّدَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصِ أَخْبَرَهُ أَنّ أَبَاهُ سَعْداً قَالَ: اسْتَاذَنَ عُمَرُ عَلَىَ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم. وَعِنْدَهُ نِسَاءٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُكَلّمْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ. عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنّ. فَلَمّا اسْتَاذَنَ عُمَرُ قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ الْحِجَابَ. فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم. وَرَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَضْحَكُ. فَقَالَ عُمَرُ: أَضْحَكَ اللّهُ سِنّكَ. يَا رَسُولَ اللّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: "عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلاَءِ اللاّتِي كُنّ عِنْدِي. فَلَمّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ" قَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ، يَا رَسُولَ اللّهِ أَحَقّ أَنْ يَهَبْنَ. ثُمّ قَالَ عُمَرُ: أَيْ عَدُوّاتِ أَنْفُسِهِنّ أَتَهَبْنَنِي وَلاَ تَهَبْنَ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قُلْنَ: نَعَمْ. أَنْتَ أَغْلَظُ وَأَفَظّ مِنْ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم. قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: "وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشّيْطَانُ قَطّ سَالِكاً فَجّا إِلاّ سَلَكَ فَجّا غَيْرَ فَجّكَ".