وفي الحقيقة أنَّ هذا مبني على قضية مهمة، وهي أنَّ قريشاً بالرغم من حرصها على أي شبهة تشاغب بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنها لم تخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصل فكرة النبوة، فلم يحدث أن قالوا له: وما النبوة؟ إن هذا لأمر عُجاب! فإنَّهم كانوا يؤمنون بمبدأ النبوة، وإنما اعترضوا على شخصه صلى الله عليه وسلم، وأنه غير مؤهل لحملها، إلى غير ذلك من الاعتراضات.
قلتُ سابقاً: إن هذا الوعي، وذلك الهدوء ليس غريباً على الصديق رضي الله عنه، بل هو خُلق ثابت له، فكل ما صدر عنه يدل عليهما، وكأني بالرجل جاهز دائماً، حاضر الذهن، دائم الفكرة، سريع البديهة، يراجع قناعاته باستمرار، يتوقع الأحداث فيجهز الإجابات عليها! يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له عنه كبوة، وتردد، ونظر، إلا أبا بكر ما عَكَمَ (يعني ما تلبَّثَ) عنه حين ذكرته له، وما تردد فيه ". وكأن الموضوع حاضر في ذهنه، وكأنه كان ينتظر نبياً يخبره رسمياً بما عليه.
وروى البخاري رحمه الله من طريق الزهري حديثاً طويلاً عن صلح الحديبية وفيه: " ... قال ـ أي عمر بن الخطاب ـ فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقاً؟ قال بلى. قلت: السنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذاً؟ قال: أيها الرجل إنه لرسول الله وليس يعصي ربه، وهو ناصره فاستمسك بغرزه، فوالله إنه على الحق. قلت: أليس كان يحدثنا أنَّا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك آتيه العام؟ قلت: لا.
قال: فإنك آتيه ومطوف به .. ".
علقتُ قديماً على هذه القصة في كتاب " دراسة نقدية في علم مشكل الحديث ": " فهذا عمر رضي الله عنه تحت وطأة دقة الحدث يذهل عن توظيف بدهية لم يهملها أبو بكر رضي الله عنه ... إن في إجابة أبي بكر رضي الله عنه منهجاً دقيقاً يتكون من مرحلتين؛ الأولى:
أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. والثانية: فهم النصِّ فهماً دقيقاً (أفأخبَركَ أنك تأتيه العام؟).
وأقول اليوم: لقد استطاع أبو بكر رضي الله عنه بوعيه وهدوئه أن يقوم بدور الرجل الثاني خير قيام، ذلك الدور الذي يختلط بدور الرجل الأول وكأنه هو، فيكون رديفاً