حكم مدينة محاطة بالأسلاك الأوروبية (1).
و بعثت البعثات إلى الخارج، فصار المتخرج يحسن لغة البلاد التي تعلم بها، ويحسن التعبير بها في العلم الذي درسه، ثم لا يحسن مثله في لغته التي ينتمي إليها، وكان القس المبشر (زويمر) يوصي المبشرين الذين خرجهم بقوله: اتبشير المسلمين يجب أن يكون بلسان رسول من أنفسهم ومن بين صفوفهم، لأن الشجرة يجب أن يقطعها أحد أبنائها،، فبدأت الدعوة إلى العامية من الأجانب، وبدأ الدس في التاريخ العربي الإسلامي من الأجانب، ثم وجد هؤلاء المبشرون والأجانب من يقدم على قطع الشجرة من أبنائها مع الأسف الشديد.
وللدلالة القاطعة على ارتباط التبشير الحاسم بالاستعار، ما فعله القس المبشر زويمر في مصر، فقد أصر على عقد مؤتمره التبشيري في القاهرة برئاسته في بيت زعيم الثورة العرابية و قائدها أحمد عرابي المسلم العربي عدو الاحتلال البريطاني لمصر. وكان عرابي قد عاد من منفاه وخرم ماله وداره، وأقام ببيت أولاده.
وللدلالة القاطعة على عداوة التبشير الحاسمة للإسلام، ما ذكره أحد المؤتمرين في هذا المؤتمر وفي دار عرابي، حول إنشاء جامعة نصرانية تتولى كل الكنائس المسيحية الإنفاق عليها، لتتمكن من مزاحمة الأزهر، ثم ختم كلامه بهذه العبارة: «ربما كانت العزة الإلهية قد دعتنا إلى اختيار مصر مرکز عمل النا، لنسرع بإنشاء هذا المعهد المسيحي لتنصير المالك الإسلامية، (2).
وكان وليم جيفورد بلگراف قد قال قبل زويمر: «متى توارى القرآن، وتوارت مدينة مكة، من بلاد العرب، يمكننا حينئذ أن ترى العربي يتدرج في سبيل الحضارة (و يقصد الحضارة المسيحية التي لم يبعده عنها إلا محمد
(1) أياهيل و أسبار (1/ 208 - 212).
(2) أباطيل وأسار (1/ 222)، وعقد هذا المؤتمر في 4 نيسان (أبريل) سنة 1906 الميلادية.