تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتلك مزية الإسلام ؛ فهو ينظم الحياة - في جميع جوانبها - مع المحافظة على " إنسانية الإنسان " ألا يتحول إلى آلة ، فيفقد العمل دلالته النفسية التي يؤدى من أجلها ، بل يظل الإنسان - مع محافظته على النظام - واعياً لأهداف وجوده ، مريداً لتحقيقها في كل مرة ، لا مدفوعاً دفعاً آلياً إليها .

ومع النظام لم تعد العفوية هي صورة العمل في الأمة الإسلامية ، لأنه لكل عمل ضوابطه الشرعية ، وللشريعة في كل عمل " مقاصد " ينبغي تحقيقها .

ومن ثم يراجع الإنسان كل عمل يعمله ليرى هل هو في دائرة الحلال المباح أم خرج عنها، ويراجع النتائج التي يمكن أن تترتب على عمله ، ليرى هل هي متمشية مع مقاصد الشريعة أم مخالفة لها .

ومع النظام والانضباط والنظر في النتائج رباهم الإسلام على النفس الطويل والرؤية البعيدة ؛ فهناك هدف بعيد لكل فرد ، وهناك أهداف ممتدة لمجموع الأمة .

فأما الفرد فقد رباه الإسلام على أن يعمل لا ناظراً لدنياه وحدها ، ولا لغده القريب وحده ؛ بل وضع له هدفاً يتجاوز العالم المشهود كله ، والحياة الدنيا كلها .

ليصل به إلى عالم الغيب وإلى اليوم الآخر ؛ فيعمل في دنياه الحاضرة وفي لحظته الحاضرة وهو ناظر إلى عالم بعيد بعيد يتجاوز كل مدى الحس ، ولكنه حاضر في قلبه كأنه يراه أمامه ، وكأنه متحقق في هذه اللحظة .

ويعمل وفي حسه ذلك الهدف البعيد الذي يسعى كل لحظة إلى تحقيقه ، وهو الجنة ورضوان الله، هدف لا يمكن أن يوجد في حس البشرية كلها هدف أبعد منه .

ومع ذلك فهو متعلق به دائماً ، يشعر في كل لحظة أن كيانه كله مرتبط به ، وأن كل خطوة يخطوها هي خطوة على الطريق إلى ذلك الهدف البعيد .

وأما الأمة فقد رباها الإسلام على أن مهمتها لا تنحصر في تحقيق كيانها الذاتي المحدود ، ولا في أن تعيش لحظتها الراهنة ، وإنما لها هدف ممتد في الحياة الدنيا ، وممتد من الحياة الدنيا إلى الآخرة ، ذلك هو دعوة البشرية كلها إلى النور الرباني ، والجهاد لتكون كلمة الله هي العليا في كل الأرض ، لتكون شاهدة على البشرة كلها في اليوم الآخر :

( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً )[سورة البقرة 2/143] .

ولقد ظلت الأمة تلاحق هذا الهدف ما يقرب من عشرة قرون متوالية ، لا تفتر حماستها له ، ولا تتقاعس عن الجهاد من أجله ، جيلاً بعد جيل ، وهذا " أطول نفس " عاشته أمة في التاريخ .

ولكن خط الانحراف الطويل الذي مررت به الأمة ، وآثاره فيها ، ظل يحدث انحساراً مستمراً في حقائق الإسلام ، وفي فاعليتها في نفوس الناس .

فارتدت الأمة رويداً رويداً إلى تأثير البيئة ، ذلك أنه في غيبة العقيدة الحية المتمكنة من النفوس تصبح البيئة هي صاحبة التأثير ، ومن ثم رجعت الأمة إلى طبيعتها الفوضوية التي تكره الانضباط ، العفوية التي تكره التخطيط ، القصيرة النفس التي تكره الرؤية البعيدة ولا تطيق المتابعة للأمد الطويل .

وإذ كانت هذه هي حالة الأمة - كما هو واضح لكل من يدرس أحوالها - فمن يصلحها ؟!

هل تصلحها الأحزاب السياسية الموالية للغرب ، وهي لا تضع ذلك في برامجها ، ولا تقدر عليه حتى إن قصدت إليه .

وهذه هي تجربة قرن كامل من الزمان ، كانت الأمة منجرفة فيه إلى تقليد الغرب والذوبان فيه ، فما استطاعت الأحزاب الموالية للغرب ، والداعية إلى التغريب ، أن تصلح شيئاً في هذا المجال ، وظلت الأمة - إن لم تكن قد زادت - في فوضويتها الكارهة للنظام ، وعفويته الكارهة للانضباط ، وقصر نفسها الذي يشتعل حماسة للحظات ، ثم تنطفئ الحماسة وتخمد العزائم وتنصرف الجهود !

هل تصلحها الأحزاب الشيوعية ، وهي لا تضع ذلك في برامجها ، ولا تقدر عليه حتى إن قصدت إليه ، وهذه هي تجربة ما يزيد على ربع قرن في البلدان التي ابتليت بها من العالم الإسلامي ، لم تغير شيئاً من حال الناس ، إن لم تكن قد زادتهم انحرافاً في كل جوانب الحياة !

إنه لا يقدر على إصلاح آثار هذه البيئة إلا العقيدة ، ولا يقدر على إصلاحها إلا أصحاب العقيدة الصحيحة ، والواعون لحقيقتها ، الذين تربوا تربية إسلامية صحيحة ، كتلك التي رباها الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه ، فتستطيع هذه التربية - كما استطاعت أول مرة - أن تنشئ النفوس نشأة جديدة ، منظمة منضبطة طويلة النفس ، تزيل آثار الانحراف ، وتعيد الأمة إلى ما كانت عليه وقت استقامتها على هذا الدين ، ولا بهدف مواجهة " التحديات الحضارية " التي يذكرها بعض الناس وهم يتكلون عن " الإصلاح " المطلوب ، بل يهدف إعادة الأمة إلى " خيريتها " التي أخرجها الله من أجلها :

( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) [سورة آل عمران 3/110]

وهو هدف يتجاوز كل " التحديات الحضارية " إلى ما هو أعلى وأنفس ، خير الدنيا والآخرة على السواء .

ترى كم جلسة .. كم درساً .. كم موعظة .. كم توجيهاً .. يحتاج إليها الإنسان الفرد ، وتحتاج إليها الجماعة ، وتحتاج إليها " القاعدة " ليتمثل فيها أولاً هذا " المعنى " ثم لتكون قادرة على إعطاء المثل لغيرها ، فتستطيع بالتالي تربية الأمة كلها - أو من يستجيب منها - على هذه الصفات وهذه الأخلاقيات الضرورية لها ، لتتجاوز أزمتها الحاضرة وتأخذ في الصعود ؟!

تلك ثلاثة أبعاد للتربية من بين أبعاد كثيرة في مجالات مختلفة ، ليست مثلاً خيالية ، ولا هي " تحديات " ! إنما هي شروط ضرورية لقيام القاعدة المطلوبة ، التي تستطيع أن تتحمل العبء الملقى عليها في مواجهة الجاهلية المتربصة بالكيد .

ومن هذه النماذج - ومن غيرها الذي لم نذكره - يتضح جلياً أن أمامنا شوطاً طويلاً في مجال التربية لا غنى لنا عن المضي فيه، قبل أن يحق لنا أن نتساءل: وماذا بعد ؟!

إن بعض مجالات التربية قد قطعنا فيه شوطاً ولم نصل ، وإن بعضها الآخر لم نبدأ فيه بعد! وكل تعجل في ميدان التربية بالذات لا يأتي بخير .

لأنه يكون بمثابة إقامة بنيان على غير أساس ، أو على غير أساس مكين ، فكلما ارتفع كان عرضة للانهيار .

والذين يستطيلون الطريق ، ويحسبون أن هناك طرقاً أقصر وأخصر ، ينبغي أن يأخذوا عبرة التجربة ، سواء كانت التجربة هي مذبحة حماة ، أم كانت هي التجربة " السياسية " في تركيا ؛ فإذا كنا لا نعتبر بالأحداث ، فذلك في ذاته دليل على نقس في تربيتنا يحتاج إلى علاج .

=============

واجب الشباب عند فساد الزمان

عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري

المدينة المنورة

قباء

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

-------------------------

ملخص الخطبة

1- كثرة الخبَث هي فساد الزمان 2- خرج الاستعمار وبقيت أذنابه 3- الهجمة التنصيرية على أفريقيا 4- دعوة لتدبر القرآن الكريم وإسماعه للناس 5- الدعوة بالتي هي أحسن 6- الإعداد والاستعداد سابق على الجهاد 7- معنى كلمة الجهاد وأهداف الجهاد الإسلامي 8- العلم قبل القول والعمل 9- طُرق تعلّم العلم 10- مبدأ الشورى 11- ثمان قواعد ضرورية لكل شابٍ مسلم

-------------------------

الخطبة الأولى

أما بعد:

الوقت وأهميته في حياة المسلم · الصفحة ٤٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الوقت وأهميته في حياة المسلمص ٤٧٥