تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذه السنن تقول إن الانحراف الضخم الذي وقعت فيه الأمة حتى أصبح الإسلام فيها غريباً كما كان غريباً أول مرة ، يحتاج إلى جهد ضخ وزمن غير قصير حتى تعود الأمة إلى الصراط السوي ، أو حتى تعود منها فئة تحتمل الصراع والصدام مع القوى العالمية المعادية للإسلام ، وتصمد لها حتى يمدها الله بالنصر ، ويمكن لها في الأرض ، ويكون لها من رسوخ القدم في الإيمان ، وصدق العزيمة ، والشجاعة في الحق ، والزهد في متاع الدنيا ، والحرص على ما عند الله في الآخرة ، وما يجعلها تحمل العبء صابرة محتسبة ، ويجعلها تحمل أدران بقية الأمة من المنافقين وضعاف الإيمان والمتقاعسين عن الجهاد فلا يخذلونها ، بل ترفعهم هي بالمثال الرفيع الذي تضربه للناس .

( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) [سورة الأنفال 8/2-4]

( مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) [سورة الأحزاب 33/23]

( فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ) [سورة المائدة 5/54]

( وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ) [سورة آل عمران 3/146]

( فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ) [سورة النساء 4/74]

فالزمن المطلوب للتربية هو الزمن الذي يكفل ترسيخ هذه الصفات في نفوس الفئة المختارة التي يقع عليها عبء المواجهة مع الأعداء .

وهو زمن لا يستطيع بشر أن يحدده على وجه الدقة لأنه غيب ، ولأن فيه جملة متغيرات تتغير النتيجة في كل مرة بحسب نوعها ومقدارها ألا وهي :

أولاً : الجهد الذي ينبغي أن نبذله لبلوغ هذا الهدف الأساسي :

فكلما بذلنا جهداً أكبر ، كان لنا أن نطمع في تقريب الزمن ، أما إذا تراخينا في بذل الجهد ، أو لم نوجهه الوجهة الصحيحة فسيطول الزمن ولا شك .

ثانياً : مدى استجابة الذين ندعوهم ونربيهم وهذا أمر ليس في يد البشر إطلاقاً :

( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) [سورة القصص 28/56]

إنما كلفنا الله سبحانه وتعالى أن نبذل الجهد ، وتكفل هو سبحانه بالنتائج ، لأنها تتم بقدر منه ، وبحسب مشيئته .

وإن كنا نطمع دائماً في منّ الله وكرمه ، أننا إذا صدقنا في بذل الجهد فإن الله يرتب النتائج في صالح الدعوة .

وقد رأينا بأعيننا أن استشهاد رجل واحد صدق ما عاهد الله عليه ، يصنع لهذه الدعوة من العجائب ما لا تصنعه ألف خطبة ولا ألف درس ولا ألف كتاب ، وهذا عون الله الذي وعد به سبحانه حين يصدق عباده في التوجه إليه ، والتوكل عليه ، والإيمان به .

والمتغير الثالث هو الظروف التي تحيط بالدعوة وتحيط بالأعداء ، والتي تحدد بدورها الحجم المناسب للقاعدة المطلوبة .

فحين يخلق الله ظروفاً مواتية فقد تستطيع قاعدة أصغر حجماً مما نتخيل الآن ، أن تقيم حكم الله في الأرض ، وتسانده بعد قيامه .

وحين تجرى مشيئة الله بغير ذلك – لحكمة يريدها – فقد نحتاج إلى قاعدة أكبر حجماً مما نفترض في لحظة معينة .

والحكم في هذا الأمر مسألة اجتهادية ، سواء في تقدير الحجم اللازم للقاعدة ، أو في تقدير الظروف القائمة من حولها .

ومن أجل هذه المتغيرات – وغيرها كثير – لا يستطيع بشر أن يحدد زمناً يقول فيه : نظل نربى إلى عام كذا ، ثم نبدأ " العمل " !

على أن ينبغي أن نضع في حسابنا أن التربية لا يمكن أن تتوقف في أية لحظة فهي بذاتها هدف دائم بالنسبة للأمة حتى لو قام الحكم الإسلامي ؛ فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكفّ عن تربية أصحابه حين قامت الدولة ، بل استمر إلى آخر لحظة يربيهم ، وانظر مثلاً خطبته في حجة الوداع ، كذلك سار من بعده من الخلفاء الراشدين على نهجه صلى الله عليه وسلم يربون الأمة وبالسلطان .

إنما بدأ الانحراف في الأمة حين نقصت التربية عن القدر المطلوب ، وحين تحولت عن النهج المطلوب .

إنما كانت إجابتنا موجهة للذين يعنون بسؤالهم : إلى متى نظل نخصص الوقت كله والجهد كله لعملية التربية المطلوبة .

وأما الذين يقولون : ما جدوى التربية ، ونحن كلما ربينا جيلاً من الشباب قضى عليه الأعداء ! فقد سبق أن أجبنا على تساؤلهم من الواقع المشهود .

ونحن لا نعلم الغيب ، ولا نعلم إن كان الشاب الذي نربيه اليوم سيموت غداً أم يموت بعد عمر مديد ، ولا نعلم كذلك هل يثبت على الطريق أم يفتن في دينه، ولكن علينا دائماً أن نبذل جهدنا في تربيته على النهج الصحيح .

فإن شاء الله أن يمتد به العمر فهو قوة للدعوة وامتداد لها ، أما إن كان في قدر الله أن يفتن في دينه فمنذا الذي يستطيع أن يرد عنه قدر الله ؟ ومنذا الذي يستطيع أن يعرف لفرد ما يكون من أمره في الغداة ؟!

في جميع الأحوال إذن ينبغي أن نمضي في التربية ، ونحن واثقون أنها الطريق الواصل في النهاية ، حتى وإن كانت هي الطريق الشاق المجهد البطيء الطويل .

ولابد من كلمة تبين لنا على الأقل بعض أبعاد التربية المطلوبة ، وما يمكننا أن نتحدث عن كل أبعاد التربية أو عن المناهج التربوية ، فتلك بحوث متخصصة .

ونكتفي بثلاثة أبعاد لأنها ذات أهمية خاصة ، ومن أراد البسط فعليه بمراجعة مظان المسألة :

البعد الأول : " اليقين " :

يقول سبحانه وتعالى :

( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) [سورة الذاريات 51/58]

ولو أنك سألت أي إنسان في الطريق : من الذي يرزقك ؟ لقال لك على البديهة : الله !

ولكن انظر إلى هذا الإنسان إذا ضُيق عليه في الرزق ، يقول : فلان يريد أن يقطع رزقي ! فما دلالة هذه الكلمة ؟

دلالتها أن تلك البديهية التي نطق بها لم تكن " يقيناً " قلبياً ، إنما كانت بديهية ذهنية فحسب ، بديهية تستقر في وقت السلم والأمن ، ولكنها تهتز إذا عرضت للشدة ، لأنها ليست عميقة الجذور .

هل يصلح مثل هذا الإنسان لأعباء الدعوة ومشقاتها ؟!

هل يصلح لتلك الأعباء إلا شخص قد استقر في قلبه إلى درجة اليقين أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين .

أن الله هو المحيى والمميت ، أن الله هو الضار والنافع ، أن الله هو المعطى والمانع ، أن الله هو المدبر ، أن الله هو الذي بيده كل شئ .

وإذا اهتز اليقين لحظة واحدة فماذا يحدث ؟!

لقد كنا نرى في المعتقل بعض الذين يهتز في قلوبهم هذا اليقين لحظة ، فتهتز خطواتهم على الطريق ! يتسرب إلى روعهم أن هذا الشخص أو ذاك يمكن أن ينفع ، أو يمكن أن يضر .

الوقت وأهميته في حياة المسلم · الصفحة ٤٧٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الوقت وأهميته في حياة المسلمص ٤٧٢