تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا ندرى كم من هذه الجوانب كان الإمام الشهيد قمينا بإضافته أو تصحيحه لو امتد به العمر ، ولكنا نجد على الساحة الواقعية أن الجنود قد ربوا ليكونوا جنوداً فحسب، لا ليكونوا قادة بعد ذهاب قائدهم ، كما ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ليكونوا جنوداً فائقين تحت قيادته صلى الله عليه وسلم ، وليكونوا في الوقت ذاته " صفاً ثانياً " بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى ، كما كان الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم في قيادة الأمة ، وكما كان بقية الصحابة رضوان الله عليهم في كل ميدان انتدبوا إليه .

نجد غياب "الصف الثاني" على المستوى المطلوب للجماعة التي تتزعم العمل الإسلامي في ظروفه الراهنة واضحاً ملموساً كلما امتد الزمن بعد مقتل الإمام الشهيد ، فندرك – على الصعيد الواقعي – أنه كان هناك نقص في التربية ، في هذا الجانب ، ينبغي أن يستدرك ونحن نُعدّ لمسيرة طويلة قد تستغرق بضعة أجيال من عمر الدعوة قبل أن يكتب لها التمكين في الأرض .

ومن قبل لاحظنا العجلة في الإعداد والعجلة في التحرك والعجلة في السماح للجماهير بالانتماء للحركة قبل تربية العدد المناسب من الدعاة ، الذين هم جنود تحت قيادة القائد ، وقادة في ذات الوقت ومربون .

وكيف كان لهذا كله آثاره في خط السير ، والمفروض – ونحن نعد للمسيرة الطويلة – أن نتلاقى كل هذه الجوانب من النقص التي اشتملت عليها الجولة الأولى ، أي أن نغير أسلوب التربية بما يتناسب مع أهداف الحركة ، وطول المسيرة ، ومشقة الطرق ، وكيد الأعداء .

فإذا نظرنا إلى الساحة الآن فقد نجد نوعيات أفضل في بعض الجوانب ، ولكنا نجد نقصاً كبيراً في التربية في جوانب أخرى .

نجد شباباً أكثر وعياً بمفهوم لا إله إلا الله ، وصلتها الوثيقة بتحكيم شريعة الله ، أي : أكثر إدراكاً لقضية " الحاكمية " التي كانت قد أُجملت إجمالاً من قبل جعلها تخفي على كثير من الدعاة أنفسهم .

ونجد شباباً أكثر إدراكاً لطبيعة المعركة وما يلقى فيها من الأسلحة الظاهرة والخفية ، ودور الأجهزة المختلفة في محاربة الدعوة عن طريق مناهج التعليم ووسائل الإعلام ، وإثارة قضايا سياسية واجتماعية وفكرية معينة ، تتجه بالناس وجهة بعيدة عن الإسلام ، وتبعدهم باستمرار عن التلقي من المصدر الرباني .

ولكن هؤلاء الشباب – في كثير من الأحيان – ينقصهم التجمع الصحيح ، فيتجمعون في جماعات صغيرة مبعثرة ، يكيد بعضها لبعض ، أو يتربص بعضها ببعض ، أو يتجادل بعضها مع بعض بروح الخصام لا بروح المودة .

ويمكن أن تنقسم الجماعة الصغيرة إلى جماعات أصغر عند أول اختلاف على تفسير نص من النصوص ، أو تقويم قضية من القضايا .

مما يقطع بأن التربية الجماعية عندهم ناقصة ، وأن الروح الفردية فيهم أقوى ، بينما التربية المطلوبة – لتنشئة المسلمين عموماً فضلاً عن الجيل الذي يقع عليه عبء المواجهة الأولى مع الجاهلية – ينبغي أن توازن بين الروح الفردية والروح الجماعية عند أفراد الجماعة ، فلا تحيلهم أصفاراً عن طريق تنمية الروح الجماعية على سحاب الروح الفردية ، ولا تنمى فيهم الفردية الجانحة فيعتز كل منهم بفكره وبذاته وبتقييمه الخاص للأمور ، فلا تأتلف منهم جماعة ، ولا يلتئم لهم تجمع له وزن .

كما أن هذا الشباب – في معظم الأحيان – تنقصه الخبرة الحركية ( وهي جزء من التربية المطلوبة ) ، مع أنه أكثر وعياً من الجيل السابق في كثير من القضايا ذات الطابع الفكري .

ومن أجل هذا يتعجل في الصدام مع السلطة ، وفي استعراض قوته في قضايا لا تقدم ولا تؤخرن أو في قضايا ذات وزن وذات خطر ولكن لا يستطيع المسلمون في حالتهم الراهنة أن يغيروا شيئاً من مجراها .

مثال عملي :

تجمع شباب الجماعات الدينية بجامعة الإسكندرية ذات مرة ، للحيلولة بالقوة دون إقامة حفل كانت إدارة الجامعة قد رتبته لمكايدة الجماعات الدينية خاصة والروح الإسلامي عامة ، وبالفعل نجح شباب الجماعات الدينية في منع إقامة الحفل رغم كل الترتيبات الرسمية التي رتبت له ، فلم يحدث ما كان مرتباً من رقص وغناء وتمثيل مبتذل .

هذا نموذج لبعض " النشاط " الذي كانت تقوم به الجماعات الدينية في الجامعات ؛ فما تقويمه الصحيح ؟

إن استعراض القوة على هذا النحو كان بالفعل يرهب " المتحررين " و" المتحررات " من الطلبة والأساتذة على السواء .

فلا تجرؤ " فتاة جامعية " على التبذل الرخيص الذي يقع من كثير من " الفتيات الجامعيات " حتى كأنهن راقصات في ملهى ، أو عارضات أزياء في محل تجارى متبذل ، لا طالبات علم يتحشمن على الأقل في وقت تلقي العلم ، كما تتحشم الفتاة الأوروبية الملحدة الكافرة المنسلخة تماماً من كل دين أو أخلاق أو تقاليد ، في أثناء الساعات التي تتلقى فيها العلم .

قد يكون هذا سلوكاً مناسباً لو أن لتلك الجماعات الدينية وجوداً دائماً في الجامعات ، بحيث يكون لهذا الوجود ضغط مستمر يقاوم ضغط الشيوعيين والملحدين و" المتحررين " لإفساد الأخلاق ، وصرف الشباب والفتيات عن القيم الدينية ، وإشاعة التحلل الخلقي بينهم .

أما إذا كان وجود تلك الجماعات عابراً – كما سنبين في السطور التالية – فهل هذه العملية المفردة ستغير شيئاً حقيقياً في حياة الفاسدين والفاسدات من الأساتذة أو الطلاب ؟ أم الأجدى – وقد أتيحت الفرصة لتلك الجماعات أن توجد فترة محدودة من الزمن – أن ينصرف الجهد إلى التربية الحقيقية على مبادئ الإسلام ، وكل شاب فرد ، وكل فتاة ، وكل مدرس أو أستاذ ، تنقذهم هذه الجماعات من الوحل الذي يرتعون فيه إلى النظافة والطهر ، هو كسب للدعوة ، وعمل مثمر خير من الدنيا وما فيها كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

[ لأن يهدى الله بك رجلاً خير لك من الدنيا وما فيها ] ، أو قال : [ خير لك من حمر النعم ]

لقد كانت "اللعبة" التي أبرزت تلك الجماعات الدينية إلى الوجود أن الحاكم يومئذ كان يواجه ضغطاً شديداً من التيار الشيوعي ، والتيار الناصري المتحالف معه ، فكان منطقياً بالنسبة إليه أن يستند – مؤقتاً – إلى التيار الإسلامي ، فيفسخ له المجال للعمل والحركة ، ليصد عنه هو شخصاً الضغوط التي يواجهها ، لا لينظف الجامعة من الفساد والإلحاد والكفر والتحلل الخلقي ، ولا لينشئ في البلد حركة إسلامية تطرها من تلك الأدران ! وليتعرف في ذات الوقت – عن طريق أجهزته البوليسية – على القوى الكامنة في الشباب ، ليضربها في الوقت المناسب – بعد أن تنتهي " اللعبة " – ضربة تشلها عن الحركة أو تقضى عليها !

فهل كان استعراض القوة في حادث الحفل الذي أشرنا إليه – أو أمثاله – هو السلوك المناسب إزاء هذه اللعبة ؟! أم أنه كان قمينا بالتعجيل في إنهاء اللعبة وتوجيه الضربة ؟

وحقيقة إن الضربة كانت آتية لا ريب فيها كما أشار إلى ذلك مدير السجن الحربي ؛ فبمجرد أن يحس " المسئولون " أن التيار الإسلامي قد أخذ يقوى ، يتفجر الموقف بالضرورة للقضاء على الخطر المرهوب ، والذي تخشاه الصليبية الصهيونية وكل من يعمل لحسابها في الأرض .

ولكن يختلف الأمر حين يكون كل " العمل " الذي تقوم به تلك الجماعات هو تربية شباب نظيف الأخلاق ، متطهر من الدنس ، يعرف ربه ولا يعرف رجس الشيطان ؛ فإن الحاكم يتردد كثيراً في ضربها ، ثم يتردد أكثر في استخدام الوسائل الوحشية لتعذيبها ، لأنه يومئذ لا يستطيع أن يبرر عمله الوحشي أمام الجماهير .

الوقت وأهميته في حياة المسلم · الصفحة ٤٧٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الوقت وأهميته في حياة المسلمص ٤٧٠