هناك نوعان رئيسيان من التفكير ، ونوعان من العمل ، يفكر فيهما من يطرح هذا السؤال بحسب كونهم من الشباب ومن الشيوخ ، بالإضافة إلى لون ثالث .
فأما الشباب - الذين تملؤهم الحماسة وتدفعهم إلى التعجل - فتفكيرهم هو :
وجوب الوصول إلى الحكم بالقوة ، وتربية الأمة من موقع السلطة لا من موقع الدعوة ، لأن التربية من موقع الدعوة أمر يطول به الزمن ويطول به الطريق ، بسبب وقوف الأعداء بالمرصاد ، وتعويقهم المستمر للحركة الإسلامية ، وتشتيتها كلما أرادت أن تتجمع .
وأما الشيوخ - الذين أجهدهم المشوار الطويل ، والضربات المتوالية على الطريق - فتفكيرهم هو الدعوة السلمية التي لا تصطدم مع السلطة أبداً ، والتي تتخذ جناحاً من أجنحتها الدخول في البرلمانات والانتخابات ، ومحاولة التأثير على مجرى السياسة من داخله ، أو على الأقل إعلان صوت الإسلام من داخل الأجهزة السياسية التي تسيطر اليوم على حياة الناس ، حتى يكون لهذا الصوت وقع في حس الناس .
ونحن نفترض - بادئ ذي بدء - الإخلاص الكامل في كل من الفريقين ( والفريق الثالث كذلك الذي سنتكلم عنه فيما بعد) .
ولكن الإخلاص وحده لا يكفي ؛ بل لابد معه من البصيرة ، لأن عدم البصيرة حري أن يفسد ثمرة الإخلاص !
نفترض جدلاً أن مجموعة من الشباب المتحمس قد أحكمت التدبير ، فقامت "بانقلاب" وأقامت حكومة إسلامية في أي بقعة من العالم الإسلام . فمن يُسندها ؟!
ولنأخذ مصر مثلاً : " فالقاعدة الإسلامية" في مصر هي أوسع قاعدة حتى الآن في العالم الإسلامي كله ، فهل تكفي هذه القاعدة لسند الحكم الإسلامي ، وحمايته من العدوان الصليبي الصهيوني المتوقع في جميع الأحوال ؟
ولنفترض أن أمريكا لم تتدخل بعدوان مباشر ، وإنما فقط مُنع القمح عن الشعب المصري !
هل يصبر الشعب المصري - في حالته الراهنة - على الجوع من أجل إقامة الحكم الإسلامي ؟ أم تسير المظاهرات - بقيادة الشيوعيين والعلمانيين والملحدين ، ومن ورائها " الجماهير " الجائعة - تقول : نريد الخبز والحرية ؟!
فلنكن واقعيين .. ولنقل إن "القاعدة الإسلامية" لم تزل بعد أصغر من حجم العمل المطلوب!
وقبل أن تقوم القاعدة بالصورة الصحيحة ، فكل محاولة للصدام مع السلطة للوصول إلى الحكم عبث غير مبنى على بصيرة ولا تدبر .. وقمته هو ما حدث في مذبحة حماة . . نموذجاً بارزاً ينبغي أن تتدبره الحركة الإسلامية جيداً لتعرف كل أبعاده ، ولا تقع في مثله مرة أخرى مهما كانت الأسباب .
فإن قال المتعجلون من الشباب : كيف نقعد " بلا عمل " حتى تتكون مثل تلك القاعدة ؟
فنقول : إن القاعدة تتكون ببطء نعم ، ولكنها تتسع على الدوام ، ولا تتوقف على النمو ، وينضم لها على الدوام شباب جديد ، يعلم سلفاً عقبات الطريق ، وعذابات الطريق ، فيوطن نفسه على ملاقاة الموت ، واحتمال العذاب ، ويطن نفسه كذلك على المشوار الطويل .
وذات يوم - لا يعلمه إلا الله سبحانه - ستنضح القاعدة وتتسع ، وتصبح بندقة صعبة الكسر وعندئذ - بسنة من سنن الله الجارية - سيدخل الناس فيها أفواجاً ، وسيجد العدو نفسه لا أمام جماعة منعزلة يحصدها حصداً وهو مطمئن ، إنما أمام أمة قد اجتمعت على إرادة موحدة ؛ فيجرى قدر الله بما تفرح به قلوب المؤمنين .
أما القول بأن الشباب سيقعد "بلا عمل" حتى تتكون تلك القاعدة .
فتقول لهم : من إذن الذي سيبنى القاعدة ؟! إن لم يكن هؤلاء الشباب أنفسهم ؟! وكيف يكونون بلا عمل إذا كانوا منهمكين في البناء ؟!
إنما تصدر هذه القولة نتيجة أمرين معاً :
1 - عدم إدراك الأبعاد الحقيقية المطلوبة لعملية التربية .
2 - الاعتقاد - من ثم - بأن التربية قد تمت ، وأننا ينبغي إذن أن ننقل إلى الخطوة التالية ، وهي ملاقاة الأعداء .
ولنتذكر بادئ ذي بدء أن شيوخ اليوم هم أنفسهم بقية شباب الجيل الأول المتعجل ! الذي كان يعتقد أن " العمل " قد وجب - وأنها ضربة قوية أو مجموعة ضربات ، فيخر الطغاة هداً ، ويحكم الإسلام !
وقد تخلى من أولئك الشباب من قبل من تخلى ، ولكن هؤلاء الشيوخ هم الذين بقوا ولم يتخلوا نعم ، لم يتخلوا .
ولكنهم يعتقدون أن الدعوة قد وصلت إلى طريق مسدود ، وأنه يجب - من ثم - تغيير الطريق !
والسبب في هذه الرؤية من جانبهم واضح .
فقد كانوا تربوا على أنهم هم الذين سيضربون الضربة الأولى ، أو مجموعة الضربات ، ثم تنجلي الضربة عن هزيمة العدو ، وانتصار الإسلام . في سنوات معدودات.
وقد وجدوا أنهم هم الذين يضربون المرة بعد المرة على امتداد السنوات ، وأن الأعداء هم الذين يكسبون الجولة ، بينما لا يصنعون هم شيئاً إلا تلقى الضربات.
ومن ثم فإن الطريق - كما تصوروه - يبدو مسدوداً بالفعل ، ولا يؤذن بانفتاح قريب ؛ فلابد - في حسهم - من البحث عن طريق غير مسدود .
والطريق الذي يظنونه موصلاً هو :
دخول البرلمانات والانتخابات، وإعلان صوت الإسلام من هناك ، مادام لا يُسْمَح بإعلانه من غير هذا الطريق .
وكما ناقشنا الشباب المتعجل ، الذي يدعو إلى حمل السلاح وملاقاة العدو ، ورأينا - على ضوء الواقع ، وعلى ضوء ما حدث في حماة - أن الصدام مع السلطة قبل تكوّن " القاعدة المسلمة " ذات الحجم المعقول ، عبث لا يجنى منع العمل الإسلامي إلا ما جناه في حماة .
كذلك نناقش الشيوخ المتعجلين ، الذين يظنون أنهم يحركون العمل الإسلامي بولوج هذا الطريق غير المسدود ، ويصلون عن طريقه إلى تحقيق الأمل المنشود .
نقول لهم نفس الشيء ، إن استخدام هذا الطريق عبث لا يؤدى إلى نتيجة قبل تكوّن " القاعدة المسلمة" ذات الحجم المعقول ! ولنفرض جدلاً أننا توصلنا إلى تشكيل برلمان مسلم مائة في المائة ، كل أعضائه يطالبون بتحكيم شريعة الله ! فماذا يستطيع هذا البرلمان أن يصنع بدون " القاعدة المسلمة " التي تسند قيام الحكم الإسلامي ، ثم تسند استمراره في الوجود بعد قيامه ؟!
انقلاب عسكري يحل البرلمان ، ويقبض على أعضائه فيودعهم السجون والمعتقلات ، وينتهي كل شئ في لحظات !!
إنه تفكير ساذج رغم كل ما يقدم له من المبررات ، وفوق ذلك فهو يحتوى على مزالق خطيرة تصيب الدعوة في الصميم ألا وهي :
أولاً : المزلق العقدي :
فكيف يجوز للمسلم الذي يأمره دينه بالتحاكم إلى شريعة الله وحدها دون سواها ، والذي يقول له دينه إن كل حكم غير حكم الله هو حكم جاهلي ، لا يجوز قبوله ، ولا الرضى عنه ، ولا المشاركة فيه .
كيف يجوز له أن يشارك في المجلس الذي يشرع بغير ما أنزل الله ، ويعلن بسلوكه العملي - في كل مناسبة - أنه يرفض التحاكم إلى شريعة الله ؟!
كيف يجوز له أن يشارك فيه ، فضلاً عن أن يُقسم يمين الولاء له، ويتعهد بالمحافظة عليه ، وعلى الدستور الذي ينبثق عنه ، والله يقول سبحانه:
( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ ) [سورة النساء 4/140] .
وهؤلاء حديثهم الدائم هو مخالفة شريعة الله ، والإعراض عنها ؛ ولا حديث لهم غيره ينتظره المنتظر حتى يخوضوا فيه ! فكيف إذن يقعد معهم ؟!
كل ما يقال من مبررات: أننا نُسْمعهم صوت الإسلام ، أننا نعلن رفضنا المستمر للتشريع بغير ما أنزل الله ، أننا نتكلم من المنبر الرسمي فندعو إلى تحكيم شريعة الله ، كل ذلك لا يبرر تلك المخالفة العقدية الواضحة .