تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نعم إنه مخطط ماكر من الأعداء يواكبه غفلة من المسلمين ، أما كيف نتصدى لهذا المخطط وكيف ننثر من رؤوسنا غبار الغفلة ، ونزيل من على أجسامنا دثار الخضوع والذل .. فهذا له موضوع قادم بإذن الله في المقالة القادمة بإذن الله ..

لقد قرأنا في المقالة الماضية عن المخطط الماكر والعداء المستميت ، والحديث عن الهجمة الصليبية التي تُحاك خيوطها ، ويُستكمل كيدها ، والتي قد طبقت بعض حلقاتها وهي في طريقها إلى تطبيق الباقي ، وسمعنا على وجه الخصوص مكائد هذه الحملة الصليبية على بلاد الحرمين ، وما هي مساعيهم ومطالبهم . وبينا أن هذا ليس بغريب على أمة الصليب وحماة الصليب ، لكن الأشد من ذلك كله هو مواكبة هذه الهجمة لغفلة تامة من المسلمين إلا من رحم الله ، وبردة قلب وانعدام الغيرة على هذا الدين أن يطال بأذى ، أو يُمس جنابة بسوء ..

وحتى لا أكون أيها الإخوة ممن يلقي الكلام على عواهله دون إثبات أو دليل .. دعونا نستعرض حال المسلمين الآن مع هذه الهجمة الشرسة ، وهل أفاق المسلمون فعلا أو أحسوا بعظم الخطر أم لا ؟ لأبين لكم أن ما دمنا على هذا الحال فسيحقق العدو أحلامه وأهدافه وذلك عبر أمور ..

فمن مظاهر الغفلة عند المسلمين :

لقد هام أكثر المسلمين تطبيقاً لما بثه الأعداء من اليهود والنصارى لتخدير الشعوب المسلمة ، وإشغالها بما لا يحقق لها هدفاً ، أو يجلب لها انتصاراً ، أو يحقق لها رقياً بين الأمم ، فاشغلوا الأمة بتوافه الأمور ، كإقامة المسابقات والمباريات ، وإغراق السوق بالكم الهائل من المسلسلات والأفلام ، وانتشار القنوات الفضائية بكل ما تحمله من سقوط القيم والمبادئ ، والمتاجرة بالأجساد ، وغير ذلك من صور إلهاء الشعوب المسلمة عن قضاياها المهمة ..

وليس العجيب أيها الإخوة أن يبث الأعداء لنا ذلك ، لكن الأدهى والأمر أن يطبق هذا كله أكثر المسلمين دون وعي أو انتباه ، ولئن كان الاشتغال بهذه الأمور مقبولاً أو مستساغاً في حين وأن كان لا يستساغ فإنه في هذه الفترة الحرجة التي تمر بها الأمة لا يستساغ أبداً ..

ومن مظاهر الغفلة عند المسلمين : فشو المنكرات والمحرمات في أوساط المسلمين إلا من رحم الله ، والتهاون بالمعاصي ، والتساهل بما حرم الله سبحانه وتعالى ، ومن أعظم المحرمات والمنكرات الشرك ومظاهره ، والكفر بأنواعه ، مما تغص بها بلاد المسلمين إلا من رحم الله منهم .. فأضرحة وقبور ، ومقامات وزيارات بدعية ، واحتفالات صوفية ، إلى التعلق بالكافرين ، ومحبتهم ونصرتهم ، والمسارعة في إرضاءهم ، فكيف تتوقع النصر أمة هذا ديدنها ، وتعاملها مع ربها ، ناهيك عن تضييع الصلاة عن وقتها .. انظر لشوارع المسلمين وطرقاتهم إذا نادى المنادي إلى الصلاة لتراها على اكتظاظها وزحامها ولا كأن منادي الصلاة يناديهم ، ولكن انظر إليها مرة أخرى لو أقيمت مباريات أو مسابقات ، أو عرض مسلسل هنا أو هناك ، لتراها عكس ذلك تماماً ، ناهيك عن الذين في بيوتهم ويسمعون النداء بالصلاة ومع ذلك يبقون في بيوتهم ، لا يحركهم النداء إلى الصلاة . ففي كل حي عشرات من الناس الذين لا يشهدون الصلاة مع المسلمين ، كيف سينصرون الله ونحن لم ننتصر على أنفسنا في أمور يسيرة كهذه ، ناهيك عن الليالي الحمراء ، والتي تدار فيها المحرمات والمسكرات ، والأغاني والقينات ، التي هام في لياليها أكثر شباب المسلمين ، كيف تنتصر الأمة وهي تفجع بحماتها ، بقلبها النابض ، بشبابها الذين هم أولى أن يعيشوا لدينهم ، وينافحوا عن عقيدتهم ، وأن يحموا الديار ، ووالله لو علمت دولة الصليب وهي تهجم على بلاد المسلمين أن ستجد شباباً قاموا بحق الله ، ولم يستسلموا للشيطان ، وعاشوا هم هذا الدين ، والدفاع عن حماه ، فلا والله لن تتجرأ أبدا أن تخوض حرباً مع المسلمين ..

ومن طريف ما يذكر .. أن ملك الروم أراد الهجوم على بلاد الأندلس (ردها الله) فأرسل رجلاً لينظر ما هي اهتمامات شباب المسلمين وطموحاتهم هناك ، فلما جاء هذا الرجل وجد فتى يبكي ..

قال : له ما يبكيك ؟

قال : أبكي لأني لم أصب الهدف ، وكان يتدرب على الرماية ..

فقال له : وما يضرك ؟ ارمِ مرة أخرى تصيب الهدف ..

قال : ولكن عدو الله لا يمهلني ، فإذا لم أصبه لأول مرة فإنه سيقدر على قتلي ..

فرجع الرجل إلى ملك الروم فقال : لا أرى أن تدخل الآن ..

فمضى زمن ثم عاد الرجل ليرى فتى آخر يبكي .. فسأله : ما يبكيك ؟ وظنه كسابقه ..

فقال : لقد وعدت صديقتي هاهنا ولم تأتي ، فأنا حزين على تركها لي ..

فقال لملك الروم الآن الآن .. وفعلاً بسطوا نفوذهم على بلاد الأندلس أندلس الإسلام ..

وهكذا دائماً أيها الإخوة .. فمتى ما استطاع الأعداء إضاعة شباب الأمة ، فقد استطاعوا ولا شك بسط نفوذهم ، واستيلاءهم على بلاد المسلمين ..

وانظروا مرة أخرى لأسواق المسلمين ، ولأوساط النساء بالذات ، لترى ما يندى له الجبين ، وتتقطع لأجله الأفئدة ، فمظاهر التبرج والسفور الذي بدأ يظهر في مجتمعنا بعد أن لم يكن ، ومظاهر إظهار الزينة ، والخضوع في القول ، إلى البروز في طرقات المسلمين بلباس ملفت ، بحجة الرياضة ، وتحريك البدن ، ونحن نعلم يقيناً أن هذا بداية الهاوية ، لأن المرأة هي صمام الأمان في هذه الأمة ، متى فسدت فسد المجتمع وضاع ، وصدق الصادق المصدوق إذ يقول : ( إياكم والنساء ، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء ) .

أين نساء المسلمين اللاتي كن يربين أبناءهن على الجهاد في سبيل الله ، وإرخاص النفس لإعلاء كلمة الله ، أين أمثال الخنساء التي قدمت أربعة من أولادها في سبيل الله في معركة القادسية ، وقبل بدء المعركة قالت لهم : ( إنكم أسلمتم طائعين ، وهاجرتم مختارين ، اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها وجللتم ناراً على أرواقها ، فيحموا وطيسها ، وجالدوا رسيسها تظفروا بالغنم والكرامة في دار الخلد والمقامة ) .

فلما كشرت الحرب عن نابها ، تدافعوا إليها وتواقعوا إليها حتى تساقطوا واحداً تلو الآخر .. فلما أُخبرت بعد المعركة بمقتلهم قالت : الحمد لله الذي شرفني بقتلهم ، وأرجو من الله أن يجمعني بهم في مستقر الرحمة ..

أين نساء اليوم من أسماء أم عبد الله بن الزبير ، التي قالت لولدها عبد الله بن الزبير حينما أراد الجهاد ، فلمست صدره ، فوجدت درعاُ ، قالت : ما هذا يا عبد الله ؟ قال : هذا درع يا أماه .. قالت : ما هذا بلباس رجل يريد الشهادة في سبيل الله !!

نعم بهذه المعاني كن يربين أبنائهن ، فكيف تنصر الأمة ونساؤها ذبن تقليداً للشرق والغرب ؟ كيف تنصر الأمة ونساؤها بهذه الصورة من لبس ما حرم الله ؟

دعونا نكون صرحاء مع أنفسنا أكثر ، ولست أقول هلك الناس ، ولكن هو واقع ومن الخطأ تجاهله ، والناصح الذي يضع اليد على الجرح خير من الذي يؤمل الأمة بآمال ، ويعلقها بخيالات هي منها بعيدة ، إنها سنة في كتاب الله لن تتغير ولن تتبدل أبدا ..

الوقت وأهميته في حياة المسلم · الصفحة ٤٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الوقت وأهميته في حياة المسلمص ٤٢٨