تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم يقول الله عز وجل في الآية التي تليها: (خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ)[الأنبياء:37] .

فكأن الإنسان يتساءل ما دام أن الكفار يستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم ويسخرون به فلماذا لم يعذبوا؟ ولماذا لم ينزل عليهم العذاب؟

وقال تعالى: (ألم. غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)[الروم:1-5] .

فكأن اللحظة قريبة، فاليوم ينتصر الفرس على الروم، وسيغلب الروم فيما بعد، ثم هذه أمارة بنصر المسلمين.

ثم يقول الله عز وجل (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ. يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) [الروم:7،6]

نصوص السيرة النبوية

وفي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم نلمس هذا واضحاً, بل يبدو في الموطن التي تبعث على اليأس, لقد لقي صلى الله عليه وسلم وهو في مكة من العذاب ما لا يطاق؛ حتى ذهب يبحث عن موطن لدعوته، فرحل إلى الطائف, وحين رحل إلى الطائف لقي الصدود والإعراض من أهل الطائف ولم يستجيبوا له - وكان يوم الطائف من أشد ما لقي صلى الله عليه وسلم, كما أجاب بذلك عائشة حين سألته. فخرج مهموماً ولم يستفق إلا وهو بقرن الثعالب - مكان بين مكة والطائف- فأتاه جبريل عليه السلام فقال: إن الله قد سمع ما قال قومك لك, وهذا ملك الجبال فمره بما شئت, فقال: لو شئتَ لأطبقتُ عليهم الأخشبين - جبلين في مكة - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا, لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله عز وجل" (أخرجه البخاري "3231" ومسلم "1795").

إن نظرة النبي صلى الله عليه وسلم لم تقف متفائلة مع هذا الجيل فحسب؛ بل إنه ينتظر أن يخرج من أصلاب هؤلاء من يعبد الله عز وجل, وبعبارة أخرى كان النبي صلى الله عليه وسلم ينتظر الجيل القادم, مع أنه في موقف يبعث على اليأس.

وفي هجرته صلى الله عليه وسلم - وأخبارها لا تخفى - وكيف خرج صلى الله عليه وسلم واختفى في الغار، فجعل المشركون جائزة عظيمة لمن يأتي بالنبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه حياً أو ميتاً, فلحقه سراقة بن مالك ثم كان ما كان بينه والنبي صلى الله عليه وسلم من حوار حتى قال له النبي صلى الله عليه وسلم: كيف بك إذا لبست سواري كسرى ؟ (الإصابة"2/19"، الاستيعاب "2/120") .

وفي غزوة الأحزاب وكان المسلمون محاصرين لا يستطيع أحدهم أن يذهب لقضاء حاجته منفرداً من الخوف، يعدهم صلى الله عليه وسلم بقصور الشام وفارس واليمن؛ عن البراء بن عازب قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق قال وعرض لنا صخرة في مكان من الخندق لا تأخذ فيها المعاول، قال: فشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم هبط إلى الصخرة فأخذ المعول فقال:"بسم الله" فضرب ضربة فكسر ثلث الحجر وقال:"الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا" ثم قال:"بسم الله" وضرب أخرى فكسر ثلث الحجر فقال:"الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا" ثم قال:"بسم الله" وضرب ضربة أخرى فقلع بقية الحجر فقال:"الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا" (رواه أحمد "18219")

وجاء عدي بن حاتم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"هل تعلم مكان الحيرة؟" قال قلت: قد سمعت بها ولم آتها، قال:"لتوشكن الظعينة أن تخرج منها بغير جوار حتى تطوف" (رواه أحمد18888).

سير الأنبياء

يقول الله عز وجل مخبراً عن النصر وتنزله على رسله: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ )[يوسف:110].

ولنقرأ شيئاً من العبر في قصص الأنبياء.

حين دعا نوح عليه السلام على قومه قال في دعائه: (وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً) [نوح:27]، لقد كان يؤمل في أولادهم أن يستجيبوا، فكان نظره يتجاوز جيله الذي يعيش فبه، ولم يدع على قومه إلا حين علم أن الأمل قد انقطع من أولادهم.

وفي قصة موسى عليه السلام يقول الله تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ) [القصص:4-6].

هنا يتحدث القرآن عن بطش فرعون وعلوه ثم يقول الله عز وجل: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)[القصص:5] فيولد موسى, وينشأ في بيت فرعون ويشب, ثم يخرج إلى مدين ويبقى فيها يرعى الغنم عشر حجج أو ثمان, حتى يبلغ بعد ذلك أشده، ثم يأتيه الوحي، ويعود بعد ذلك إلى فرعون, وكل هذا إتماماً لهذا الوعد.

(وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)[القصص:5].

ويبدأ تقدير الله من هنا منذ أن ولد موسى عليه السلام وهو طفل رضيع إلى أن ذهب وتربى هناك وبقي يرعى الغنم, وفرعون لا يزال يبطش ويتجبر ويذبح الأبناء حتى مضى جيل بعد ذلك ثم أتى موسى, وأتم الله عز وجل لبني إسرائيل ما وعدهم .

ويوسف عليه السلام رأى رؤياً وهو لا يزال صغيراً (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لَأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ)[يوسف:5،4].

ثم طال الوقت وكاد به إخوانه, ورموه في الجب, وذهب إلى بيت العزيز, وبقي فيه وقتاً, ثم سجن, ثم بقي على خزائن الأرض سبعاً وسبعاً, ثم جاءه بعد ذلك يعقوب وأهله وخروا له سجداً فقال: (يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً)[يوسف:100].

وتبقى هذه الأمور في عمر الزمن أمراً محدوداً لا يساوي شيئاً.

هكذا سنة الله في المجتمعات

لو رأيت رجلاً مكتمل الرجولة, يمتلئ حيوية ونشاطاً، فأنت تعرف أنه كان يوماً من الأيام رضيعاً لا يستطيع أن يأكل الطعام بنفسه, ولا يستطيع أن يقوم أو يعبر عما في نفسه, لا يعرف لغة إلا البكاء, فينمو وينمو من خلال وقت طويل وزمن؛ حتى يصبح كما تراه أمامك رجلاً جلداً قوياً.

إذا كان هذا في عمر الأفراد فكيف في عمر المجتمعات؟

عمر الأفراد لا يقاس بعمر المجتمعات أبداً, وإذا كنت ترى التغير في عمر الفرد فما تراه في المجتمع يحتاج إلى أضعاف ذلك الوقت بكثير.

لكننا حين نريد أن نغير في المجتمعات، فإننا في الواقع لا نتعامل معها بأعمار الأفراد فضلاً عن أعمار المجتمعات.

البعد الزمني يتيح لنا التعامل مع متغيرات عدة

الوقت وأهميته في حياة المسلم · الصفحة ٤٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الوقت وأهميته في حياة المسلمص ٤٢١