اولاً- اباحة المحرم عند الضرورة: كالتلفظ بكلمة الكفر مع اطمئنان القلب إذا أكره على ذلك بالقتل، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾] النحل:106 [و مثله: أكل الميتة و شرب الخمر، لأن حفظ الحياة ضروري، فاباح الشارع الحكيم أكل الميتة عند الجوع الشديد الذي يخاف فيه تلف النفس، و كذا شرب الخمر عند الظمأ الشديد الذي يخشى فيه
(1) ((التلويح)) ج 2 ص 127
(2) ((المستصفى)) ج 1 ص 98، الأمدي ج 1 ص 188.
(3) ((التلويح)) ج 2 ص 127، الأمدي ج 1 ص 188.
-51 -
الهلاك، ومنه أيضاً: إتلاف مال الغير عند الإكراه عليه إكراهاً يؤدي الى تَلَف النفس أو عضو منها.
ثانياً: إباحة ترك الواجب، مثل: الفطر في رمضان للمسافر والمريض دفعاً للمشقة، ومنه أيضاً: ترك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إذا كان الحاكم طاغية ظالماً يقتل من يأمره و ينهاه.
ثالثاً- تصحيح بعض العقود التي يحتاجها الناس، وإن لم تجر على القواعد العامة، مثل: بيع المسلم، فقد أباحه الشارع الحكيم بع أنه بيع معدوم، وبيع المعدوم باطل، ولكن أجازه الشارع استثناءً من القواعد العامة في البيوع، تخفيفاً وتيسيراً على المكلفين. ومنها أيضاً: عقد الاستصناع، أباحه الشارع مع أنه بيع معدوم لحاجة الناس إليه، وفي منعهم منه حرج وضيق.
45 - حكم الرخصة:
الأصل في الرخصة، الإباحة، فهي تنقل الحكم الأصلي من اللزوم إلى التخيير بين الفعل والترك، لأن مبنى الرخصة ملاحظة عذر المكلف، ورفع المشقة عنه، ولا يتأتى تحصيل هذا المقصود إلا بإباحة فعل المحظور وترك المأمور به، ومثل هذا: الفطر في رمضان للمسافر والمريض، فلكل منها الإفطار عملاً بالرخصة، والصيام عملاً بالعزيمة إذا لم يضرهما الصوم، وهذه هي رخصة الترفيه على اصطلاح الحنفية: لأن الحكم الأصلي باقٍ لم ينعدم، ولكن رخص للمكلف تركه ترفيهاً و تخفيفاً عنه.
وقد يكون الأخذ بالعزيمة أولى مع إباحة الأخذ بالرخصة، ومن هذا النوع: إباحة إجراء لفظ الكفر على اللسان، مع اطمئنان القلب، عند الإكراه عليه بالقتل أو تلف العضو، ولكن الأولى: الأخذ بالعزيمة، لما في ذلك من إظهار الاعتزاز بالدين، والصلابة بالحق، وإغاظة الكافرين، وإضعاف نفوسهم، وتقوية معنويات المؤمنين، يدل على ذلك: أن بعض أعوان مسيلمة الكذاب أخذوا رجلين مسلمين، وذهبوا بهما اليه، فسأل أحدهما: ما تقول في محمد؟ قال: هو رسول الله، قال: فما
- 52 -
تقول في؟ قال: أنت أيضأ، فتركه ولم يمسه بسوء، ثم سأل الآخر عن محمد فقال هو رسول الله، قال فما تقول في؟ قال أنا أصم لا أسمع، فأعاد عليه ثلاثاً، فأعاد جوابه، فقتله. فلما بلغ ذلك النبي: mohmad 1[1]: قال: أما الأول: فقد أخذ برخصة الله، وأما الثاني: فقد صدع بالحق فهنيئاً له.
وعمار بن ياسر نطق بكلمة الكفر ونال من الرسول: mohmad 1[1]: ومدح آلهة المشركين تحت وطأة العذاب الشديد، ولما أخبر عمار النبي: mohmad 1[1]: بما جرى، قال له: كيف وجدت قلبك؟ قال: مطمئناً، فقال عليه الصلاة والسلام، فإن عادوا فعد.
فهذا الخبر يدل على إباحة التلفظ بالكفر عند الضرورة والإكراه، والخبر الأول يدل على أن الصبر والأخذ بالعزيمة أفضل وأولى.