- وفاء هذه الصلة بحاجة العقل؛ إذ أن العقل بحاجة لمفاتيح المفهوم وليس لأقفال المعنى! بحاجةٍ للمفاهيم المركزية لا المؤطرة، بحاجة للنور الإشعاعي لا الصندوق المضيء، وهذا الوفاء في هذه الصلة هو الروح التي قال الله فيها: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53)﴾ [الشورى: 52، 53].
- أهليةُ هذه الصلة للنظر في التراث وتقييمه بمعاييرها الكُبرى: تحكيم الوحي في كل جدل مفهومي - انتفاء الحرج من ترجيح بعض المفاهيم على بعض - التسليم بهداية الوحي المطلقة وتجدد الوعي بإطلاق.
هذه بعض الإشارات والتنبيهات إلى القوة الكامنة في هذه الصلة لصناعة وصياغة عقل الإنسان، والتي لاتحتاج إلا أن يصغي الإنسان لمصدرها بتلهفٍ وأدب، وأن يكون قلبه وعاءً لمفاهيمها، وذهنه متحركاً بأساليبها، وأن يحذر من التقديم بين يدي الله، لعله أن يلهمه الصواب ويدله على الحق وألا يكون من الغافلين عن نوره وهدايته، قال الله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 37]، وعنِ عبد الله بن عمرو، أَن رسول الله -صلي الله عليه وسلم - قال: "القلوب أوْعيةٌ، وبعضها أوْعى من بعض، فإذا سألتم الله عز وجل، أَيها الناس، فاسألَوه وأَنتم موقنون بالإجابة، فإن الله لا يستجيب لعبدٍ دعاه عن ظهرِ قلبٍ غافل". (1)
أعترف في الختام بأن هذه الأسطر ماهي إلا إثارةٌ للتفكير وتحفيزٌ لإعادة النظر، وإنني أعي حجم المجازفة ولو على سبيل الادعاء بالقول بأن مسألةً مثل مسألة "العقل والنقل" بحاجةٌ للتجديد على مستوى المصطلح والمفاهيم والقضايا التابعة لها، ولولا ما وجدت من دلالات لغوية، واستعمالات قرآنية نبوية، لما يممت وجهي تلقاء هذه الرؤية، ولما قصدتُ إلى تنبيه من غَفَلَ عنها.
(1) - الشيباني، أحمد بن حنبل، مسند أحمد، ت أحمد شاكر، دار الحديث، ط الأولى 1416 هـ (6/ 213).