... روى عبد الرزاق عن أَبي كعب، عبد ربه بن عبيد الأزدي، أنه قال: قلت للحسن: إني أبيع الحرير، فتبتاع مني المرأة والأعرابي، يقولون: بعه لنا فأنت أعلم بالسوق. فقال الحسن: «لا تبعه، ولا تشتره، ولا ترشده، إلا أن ترشده إلى السوق».
... وروى أيضاً عن رزيق بن أبي سلمى أنه قال: سألت الحسن عن بيع الحرير، فقال: «بع واتق الله». قال: يبيعه لنفسه؟ قال: «إذا بعته فلا تدل عليه أحداً، ولا تكون منه في شيء. ادفع إليه متاعه ودعه» (1) .
... وهذا الأثر يتضمن عدداً من الدلالات:
(1) ... قوله: إني أبيع الحرير، كان الغالب آنذاك هو استعمال الحرير للحصول على النقد من خلال شرائه بأجل ثم بيعه نقداً، ولهذا قال ابن عباس - رضي الله عنه - في العينة: «دراهم بدراهم وبينهما حريرة»، وتسمى العينة أحياناً: «بيع الحريرة» (2) ، وسيأتي ما يؤيد ذلك من كلام الفقهاء. ويفهم أن أبا كعب ربما باع بأجل لمن يريدون العينة، ولهذا قال الحسن في الرواية الثانية: «بع واتق الله» أي لكثرة ما يلابس بيع الحرير من الوقوع في العينة بصورها المختلفة.
(2) ... إن جواب الحسن صريح في منع البائع بأجل من أن يتدخل بأي صورة من الصور لتحصيل النقد للمشتري، ولهذا قال: «لا تكون منه فيه شيء، ادفع إليه متاعه ودعه». وهذا يقتضي منع توسط البائع بأجل لمن يريد النقد حتى لو كان بمجرد الدلالة على من يشتريه نقداً، وهذا صريح في منعه للتورق المنظم.
(1) ... «المصنف» (8/295)، والرواية الأولى إسنادها صحيح. والرواية الثانية فيها «رزيق بن أبي سلمى»، ذكره ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (3/505) وسكت عليه. وجاء في الأصل في الرواية الثانية: «إذا ابتعته»، والتصحيح من حاشية التحقيق.
(2) ... انظر: «المصنف» لابن أبي شيبة (6/48)، «بيان الدليل» لابن تيمية، المكتب الإسلامي، (ص73).