قوله : (الخوف العظيم ) : من أن تقع في مثل ما وقع فيه هؤلاء المشركون من الإشراك بالله تعالى ، وإذا كان الخليل إبراهيم عليه السلام يخاف على نفسه وعلى بنيه كما أخبر الله عنه بقوله : ( واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ) [ إبراهيم : 35] وهو " إمام الحنفاء الذي جعله الله أمة وحده وابتلاه بكلمات فأتمهن وقال : ( وإبراهيم الذي وفى ) [ النجم : 37] . وأُمرَ بذبح ولده فامتثل أمر ربه ، وكسر الأصنام واشتد نكيره على أهل الشرك ، ومع ذلك يخاف أن يقع في الشرك الذي هو عبادة الأصنام لعلمه أنه لا يصرفه عنه إلا الله بهدايته وتوفيقه لا بحوله هو قوته . وأما أحسن ما قال إبراهيم التيمي : ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم ؟ فهذا أمر لا يؤمن من الوقوع فيه ، وقد وقع فيه الأذكياء من هذه الأمة بعد القرون المفضلة ، فاتخذت الأوثان وعبدت ، فالذي خافه الخليل عليه السلام على نفسه وبنيه وقع فيه أكثر الأمة بعد القرون المفضلة ، فبنيت المساجد والمشاهد على القبور وصرفت لها العبادات بأنواعها واتخذ ذلك ديناً .. فما أشبه ما وقع في آخر هذه الأمة بحال أهل الجاهلية من مشركي العرب وغيرهم ، بل وقع ما هو أعظم من الشرك في الآلهية : من شركهم في الربوبية مما يطول ذكره ، فذكر عليه السلام السبب الذي أوجب الخوف عليه وعلى ذريته بقوله : ( رب إنهن أضللن كثيرا ًمن الناس ) [ إبراهيم ] ، وقد ضلت الأمم بعبادة الأصنام في زمن الخليل وقلبه وبعده ، فمن تدبر القرآن عرف أحوال الخلق وما وقعوا فيه من الشرك العظيم الذي بعث الله أنبياءه ورسله بالنهي عنه ، والوعيد على فعله ، والثواب على تركه ، وقد هلك من هلك بإعراضه عن القرآن وجهله بما أمر الله به ونهى عنه ، ونسأل الله الثبات على الإسلام والاستقامة على ذلك إلى أن نلقى الله على التوحيد إنه ولي ذلك والقادر عليه " (1) ولذلك عقد إمام الدعوة في
(1) قرة عيون الموحدين ص 43- 44، ونظر مؤلفات الشيخ (4/345) .