قوله : ( ولكن أين من يفهمُ قلبُه هذهِ المسألةِ فهماً راسخاً ؟ والله المستعانُ ) : لأنه كما أخبر الله تعالى : ( وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) [ يوسف : 103] وقال تعالى : ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) [ يوسف : 106] ، فأصيب الناس بالغفلة وعدم الاهتمام بأمر التوحيد ، وانشغلوا بالمفضول عن الفاضل ، وبالمهم عن الأهم ، وهذا من تزيين الشيطان ، ولكن من أراد الله به خيراً وفّقه الله لتدبر كتابه ؛ قال تعالى : ( إنَّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ) [ ق : 37 ] . فلن نفهم هذه المسألة وغيرها فهم إيمان إلا من أحضر قلبه وسمعه ولم يتشاغل عن ذلك بشيء والله المستعان .
قوله : ( الأمرُ الثاني : أن الأولينَ يدعونَ مع الله أُناساً مُقربينَ عندَ الله ؛ إما نبياً وإما ولياَ وإما ملائكةً ، أو يدعونَ أحجاراً ، وأشجاراً مُطيعةً لله تعالى ليستْ بعاصيةٍ ) : والمراد بهذه الطاعة : الطاعة الكونية التي لا خيار للمخلوق فيها ، وقد بيّن لنا القرآن خنوع هذه المخلوقات ووجلها من ربها ، كما في قوله تعالى : ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله ) [ الحشر : 21] وقال سبحانه : ( فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقاً ) [ الأعراف : 143] ، وقد أخبر الله تعالى عن خضوع الكائنات بأسرها : جمادها وحيواناتها ، وكذا ما كان منها مكلفاً من إنس أو جن أو ملك من الملائكة ؛ فقال تعالى ( أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجداً لله وهم داخرون * ولله يسجد ما في السموات و ما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون * يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ) [ النحل : 48- 50 ) وقال تعالى : ( ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدو والآصال ) [ الرعد : 15] .