تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلأجل أن ننعم بحريتنا الحقيقية يجب علينا أن نتصور عقلنا ونقرنه بالأصفاد، فإنه هو الذي يربطنا بالأشياء الخارجية فيجعلنا عبيدا لها، ولن نبلغ عيشة مقتنعة مرضية ما دمنا ضحية للأشياء الخارجية والظروف المختلفة، ففي كاتها أو بانيشاد.

2

كما أن ماء المطر النازل على رأس الجبل يسيل إلى جميع نواحيه كذلك الذي يرى الفرق بين الأوصاف يجري وراءها في جميع النواحي، إن الماء الصافي المصب في الماء الصافي يبقى كما هو، هكذا يا جوتم! يكون ذات المفكر الذي عرف نفسه.

3

يشير به إلى أن عقل الإنسان الذي لم يعرف نفسه يتيه هنا وهناك كالماء المصب على قمة الجبل، ولكن متى عرف ذاته بصيانة عقله عن التأثير من محيطه المادي اتحد بعالم الحياة الراقي الذي وراء المظاهر المادية الفانية، فإن العقل إذا ألقي حبله على غاربه تشتت وضاع في أخاديد الرمال من بيداء العالم المادي، فالواجب على الطالب أن يكبله ويسوقه إلى الباطن لينال به كنزا مخفيا فيه.

ينادي المذهب «يوج» بأنه يجب علينا أن نقهر نطقنا ونحوله إلى الإحساس، والإحساس إلى الفكر، والفكر إلى الشعور العام، حينئذ فقط نقدر به على أن ندرك عمق الطمأنينة الموجودة في السرمدي، إننا لا يمكننا أن نبلغ العلو المنشود إلا إذا هدأت المصادر الخمسة للعلم وهي الحواس، وسكن العقل والفهم، والطريق لارتياد ذلك الهدوء والسكون هو تركيز أفكارنا وحواسنا في هدف واحد، ومحو الأهداف الأخرى، وتوجيه النفس بذلك إلى اتجاه جديد حر لا يلين للدواعي المختلفة العارضة لإخضاعها، فإن ما يضيع من قوى الفكر والفهم لدى الإنسان، ويبيد استعداد نفسه، هو توجهه إلى الأهداف الكثيرة وتصادمها المنتج له الفرح والترح بأهداف أخرى في المجتمع البشري.

هكذا يبين لنا مذهب «يوج» طريقا للسيطرة على النفس والحواس والعقل والفهم، وذلك للسلوك نحو الكمال. ودرجات المسلك ومنازله ومخاطره مذكورة مشروحة في كتبهم، لا يسمح لنا المجال بالاسترسال في بيانها هنا، ففلسفة «يوج» هي في الحقيقة سعي الهنود المنظم لبلوغ الكمال بالاستيلاء على العناصر المختلفة في طبع الإنسان سواء أكانت نفسية أم جسدية.

| القضاء والقدر

أصدر الفلكي العالمي كميل فلامريون كتاب «أسرار الموت»، وفي هذا الكتاب قال فلامريون: من حوادث الاطلاع على المستقبل أن زوجة الجنرال الروسي جوتسكوف حلمت سنة 1811 كأن والدها - وكان حيا - جاءها ممسكا بيده أخاها الوحيد، وقال لها وسمات الحزن ظاهرة على وجهه: «انتهى عهد هنائك يا بنية، فقد سقط زوجك صريعا في بوودينو.» فانتبهت مذعورة ثم تماسكت وزال خوفها تدريجيا لما رأت زوجها نائما بقربها وهو على خير ما يكون من قوة وعافية مترابطة بأسبابها ونتائجها، فلا تكون نتيجة إلا وقد سبقها سببها، ولإرادتنا نصيب كبير في اختيار هذا السبب، فحريتنا الشخصية غير مفقودة بل تعد عاملا يضاف إلى غيره من العوامل الخفية التي يتألف منها النظام الأعلى لترابط الحوادث والحالات بعضها ببعض.

صحيح أن للإنسان جزءا من الحرية وجزءا من الاختيار فيما يقوله وينويه ويأتيه وهذا الجزء له تأثير على قدره في مجرى الأحوال والحوادث، جزء لا يمكن أحدا أن يدحض وجوده أو يحملنا على إنكاره، لأنه أمر وجداني لا سبيل لنفيه، فهو ثابت فينا ثبوت التصور والفكر والشعور، أنا الآن جالس على كرسي في مكتبي بين أوراقي ودفاتري، أحس تمام الإحساس بأني أستطيع أن أكتب أو أقرأ، أن أكتب في هذا الموضوع على تلك الصورة أو أقرأ كتاب كذا أو أقوم أو أقعد أو أترك مكتبي على الفور أو أبقى فيه ساعات متوالية وما إلى ذلك، هذه إحساسات واقع أثرها فعلا، فكيف يصح أن أقول أو يقال لي إنك مع ذلك يا فلان ليس لك شيء من الحرية والاختيار في قراءتك وكتابتك وقيامك وقعودك ولبثك طويلا أو يسيرا في مكتبك، وإذا قيل لي إن هذا الاختيار الذي يبدو لك هو ظاهر سطحي لا حقيقي، أجبت القائل: نعم إنه مثل وجود هذا الكرسي تحتي وهذا المقعد أمامي وهذا الباب عن يميني، إلى غير ذلك من الأشياء، فهل هي وهمية؟ كلا، لكنني لا أنكر أن حريتي فيما أنويه أو أفعله هي جزئية لا كلية مطلقة؛ إذ ينازع إرادتي في الشيء المقصود عوامل أخرى عديدة من طوارئ وميول وأخلاق، ومن تأثير الجو والمجتمع والعادة، وغير ذلك من سلسلة الأسباب العامة التي تتسلط على حوادث الكون، وتربط النتائج بأسبابها والمستقبل بالماضي، ولكنها تجعل أيضا في جملتها حيزا للإرادة البشرية، فإذا قيل: لو كان للإرادة البشرية شيء من التأثير لتحولت حوادث المستقبل المسطورة في لوح الغيب إلى شكل آخر حسب تأثير تلك الإرادة، إذا قال المعترض ذلك أجبناه: ومن أعلمك علم اليقين أن شكل الحوادث والحالات المسطورة في عالم الغيب ليس هو «الشكل الآخر» الذي نسبه إليه، ليس هو الشكل الذي عدلته قليلا أو كثيرا الإرادة البشرية، ولولا سلطة هذه الإرادة لكان الشكل المذكور منحرفا عما هو عليه.

التصوف والمتصوِّفة · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التصوف والمتصوِّفةص ٤١