إن مثل هذه الحوادث تنقصها عناصر أخرى، ولا يمكن الركون إليها، بحيث تعد مقدمات تبنى عليها نتائج خطيرة.
| فلسفة «يوج»
«يوج» معناه بالسنسكريتية الاتصال والانضمام ، وهو اسم يطلق في الفلسفة الهندية وديانتها على مذهب خاص، وخلاصة ذلك المذهب وتعليمه - كما هو عند جميع المذاهب الصوفية - الإصرار والتأكيد على أن هناك إمكانا للاتصال المباشر مع الله، وذلك برفع مستوى الإنسان عن مستواه الطبيعي، ومتى ارتفع الإنسان إلى ذلك المستوى نال - عند أصحاب هذا المذهب - النجاة النهائية من جميع أدوار التناسخ، وعلى هذا يشتمل المذهب أساليب وقواعد ونظما وأصولا يرفع التمرين عليها مستوى التمرن.
يتأسس هذا المذهب على الاعتقاد في أن فهم الإنسان عاجز، لا يقدر على أن يدرك الحقيقة إدراكا تاما، لذلك يشبه أصحابه العقل الإنساني بمرآة تنعكس فيها الحقيقة، فوضوح العكس أو غموضه يتوقف في الحقيقة على قسط جودة المرآة وصفائها، كذلك القدر الذي نعرفه نحن من الحقيقة فإنه يتوقف على حالة عقلنا ووسائله أكثر من أن يتوقف على شيء آخر؛ لأن وضوح ذلك القدر من المعرفة وغموضه أو كماله أو نقصه يرجع في الحقيقة إلى تلك الحالة، فالألوان مثلا لا تظهر للأعمى، ولا يسمع الأصم الموسيقى، كما لا يفهم ضعيف العقل الحقائق الفلسفية، مع أن الحقيقة في كل من تلك الأمثلة هي لم تنقص من عدم ظهورها للأعمى، ولا من عدم سمع الأصم ولا من قصور ضعيف العقل عن إدراكها، وعليه فأسلوب المعرفة لدى أصحاب هذا المذهب ليس بخلقي كما هو اكتشافي ولا إنتاجي كما هو إلهامي، لذلك يكون الاكتشاف أو الإلهام عندهم ناقصا إذا وجد الفساد في الآلة أو عرض لها النقص.
1
إن الأغراض الذاتية والعواطف الذاتية والعواطف الخاصة تحول دائما بين آلة العقل وبين الحقيقة الملهمة، فإذا أثرت شخصية الموضوع على طبيعة الآلة أصبح العكس ناقصا، كذلك جهل المشاهد للمشهود يجمع دائما أوهامه حوله؛ لأن ميول المشاهد السائدة تتسلط في تلك الحالة على حقيقة المشهود، فتصوره له تصورا خاطئا، لذلك كان الخطأ لديهم في الحقيقة هو هجوم نقائص الآلة على الحقيقة، وبناء عليه يحتاج الأمر إلى موقف معتدل مجرد عن الشخصية لاكتشاف الحقيقة، فإن ما يرجع إلى الشخصية يعارض الموقف الكاشف للحقيقة بطبعه طابعا غير معتدل، والخروج عن الاعتدال فيه فوت الغاية ومرتع الضلال، فكيف يمكن إذن اتقاء هذا الضلال وصيانة عقولنا من الخيبة؟
يقدم مذهب «يوج» طريقا لذلك، ويرشد به إلى تصفية العقل وتحسين المرآة، والطريق هو الاجتناب عما هو مختص بمكونات الشخصية، فيزف إلى الطالب مناهج يمكن له أن يرتفع بالعمل عليها إلى علو مستحكم الأسباب، تنعدم فيه شخصيته المكونة من عواطفه وهواه، وهو علو تقدر منه ذوات المواهب الخاصة على أن ترى رؤياهم البعيدة الغور رأي العين.
إن شعورنا الطبيعي يولي ظهره للعالم الأبدي غير المرئي ويضيع في العالم المادي الفاني منبوذا بالعقل لأجل آثار الحواس، فحينما ترتفع عن ذاتنا الاختبارية لا نصل إلى سلبها بل إلى قوتها؛ لأن الذات إلى أن تكون مقيدة بحوادثها الاختبارية لا تشغل عزيمتها كلها، فإن حدود تلك الحوادث المحصورة الضيقة تحول دون ذلك، ومتى علت الذات حدود الوجود الاختباري تقوت الحياة بأسرها فأحرزنا به غناء الذات أو تضخم الشخصية وجذب هذا الغناء أو التضخم إلى نفسه عالم التجارب بأجمعه، لأنه حين تحقق الذات شخصيتها في الأدوار الأولى بمركز معين ناشئ عن الحوادث الزمنية والمكانية لا يصبح عالم التجربة بأسره خاصا بها، لذلك يجب أن يغلب تماسكنا بدائرة ضيقة من التجارب، قبل أن نجمع في أنفسنا عالم التجربة بتمامه الذي مركزه ودائرته لله والإنسان، وحينئذ نصل نحن إلى الحالة التي لا فرق فيها بين الباطن والظاهر، فمذهب «يوج» يصر على أنه يجب أن يكبح المنظر الخارجي الباطل قبل أن تسنح فرصة الحياة والظهور للأمثل الباطني، ويجب أن نكف عن أن نعيش في عالم الظلال عيشة مخدوعة ضائعة قبل أن نقدر على أن ننال الحياة الأبدية.