تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غير أن هذا الزهد لم يحل بينه وبين الاستزادة من العلوم الظاهرية والارتواء منها، بل إن مؤلفاته ومناظراته في علم الكلام قد احتوت من النظريات والمجادلات ما أحنق عليه فقهاء عصره كما حنقوا على جميع علماء الكلام، وقد ظهر هذا الحنق في حملة أحمد بن حنبل وأنصاره على أولئك العلماء، تلك الحملة التي كان من نتائجها أن اضطهد المحاسبي وانقطع عن المجالس العلمية العامة في سنة 232ه واعتزل الحياة كلها زهاء عشرة أعوام، وأخيرا توفي في عزلته في سنة 243ه/سنة 857م.

أما مؤلفاته فمن أهمها ما يلي: (أ) «الرعاية لحقوق الله» وهو كتاب في المبادئ التي يجب على المتصوفة اتباعها، وهو واحد وستون فصلا في صورة نصائح مملاة على أحد المريدين، ويعد منهجا كاملا للإرشاد النفساني، وقد عكف الغزالي - قبل أن يؤلف كتاب الإحياء - على العمل بما فيه زمنا طويلا، وظلت تعاليمه ذائعة في بيئات الصوفية ولا سيما الطريقة الشاذلية عدة من قرون، رغم ما وجه إليه من حملات الخصوم، وهذا الكتاب يوجد في مصر. (ب) «رسالة في المبادئ العشرة الموصلة إلى السعادة»، ويوجد في برلين. (ج) «شرح المعادن وبذل النصيحة»، ويوجد في برلين. (د) «البعث والنشر»، ويوجد في باريس. (ه) «رسالة في الأخلاق»، وتوجد في مكتبة محمد علي باشا الإسلامبولي. (و) كتاب «التوهم». (ز) «ماهية العقل ومعناه». (ح) «رسالة في العظمة». (ي) «رسالة في فهم الصلاة».

شيء من آرائه:

يعد المحاسبي أول صوفي سني دلت مؤلفاته على ثقافته الواسعة في علم الكلام، ومن آيات هذه الثقافة ذلك المنهج الذي وضعه للبحوث النفسانية، والذي أظهر أنه من الممكن تحقيق صلة بين أفعال الأعضاء الخارجية ونيات القلوب، فأبان أن سلسلة الأحوال يمكن أن تنتهي إلى نقاء كامل على شرط أن يخضع الشخص لقاعدة الحياة التنسكية والأخلاقية، وأن هذه هي الرهبانية الحقة، وقد خالف بهذا الرأي أبا الهزيل وأكثر المتكلمين في عصره، فحملوا عليه، وانضم إليهم الفقهاء وأهل الحديث بحجة أنه ضل حين فرق بين الإيمان والمعرفة، وبين العلم والعقل، وحين أقر خلق اللفظ، وقال بأن المختارين في الجنة سيدعون إلى الاستمتاع بالذات الإلهية.

1

غير أن هذا لم يمنع الأشعرية من أن يجلوه ويعدوه القبس الأول لمذهبهم الذي لم يجمد كما الذين لم يفرضوا للعقل وجودا، ولم يسرف كما أسرف الذين نبذوا كل ما عدا العقل. (3) القشيري

ومن أشهر المتصوفة عبد الكريم أبو القاسم القشيري المولود في سنة 376ه في خراسان من أسرة يرجع تاريخ استقرارها في تلك البلاد إلى عهد الفتح الإسلامي، ولما شب ذهب إلى نيسابور ليتلقى فيها العلم، فالتقى هناك بأبي علي الدقاق كبير أستاذة المتنسكين في تلك المدينة في ذلك العصر وأخذ يختلف إلى دروسه، فدفعه هذا الأستاذ في طريق الصوفية ثم زوجه ابنته، وفي سنة 437ه ألف رسالته القشيرية الشهيرة، وفي سنة 448ه ارتحل إلى بغداد، وهناك جعل يلقي دروسا في السنة والفقه على مذهب الإمام الشافعي، ثم عاد إلى نيسابور، وتوفي فيها في سنة 465ه.

أما أهم مؤلفات القشيري في التصوف فهما كتابان، وهما : الرسالة القشيرية، والترتيب في طريق الله؛ لأن الأولى سجلت عن الصوفية الذين سبقوا مؤلفها أوثق المعارف، وهي بهذا تعد في مقدمة المصادر المعتمدة عن التصوف والمتصوفين، وعنده أن الغزالي مدين لهذه الرسالة بالشيء الكثير، كتب القشيري هذه الرسالة إلى طوائف الصوفية في جميع بلاد الإسلام، فترجم فيها لاثنين وثمانين شيخا من شيوخهم بعد أن أعلن تشاؤمه بما آل إليه مصير هذه الطائفة في عصره فقال: «اعلموا رحمكم الله أن المحققين من هذه الطائفة انقرض أكثرهم، ولم يبق في زماننا هذا من هذه الطائفة إلا أثرهم، كما قيل:

أما الخيام فإنها كخيامهم

التصوف والمتصوِّفة · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التصوف والمتصوِّفةص ١٧