تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2

| تفصيلات عن أعيان المتصوفة

أوصل المؤرخون طبقات المتصوفين إلى عشرين طبقة، وذكر أسماء أفراد كل طبقة ومؤلفاتهم، ولما كان ما يعنينا هنا هم أشهر مشاهير للصوفية لا جميع أفراد طبقاتهم، فقد آثرنا أن نلم بأولئك الأفذاذ حسب ترتيبهم الزمني، مغضين عن الطبقات التي احتوتهم، وعن الأمكنة التي عاشوا فيها، وإليك هذه الإلمامات، بالإضافة إلى ما قدمنا عنهم قبلا. (1) سفيان الثوري

هو أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، وقد ولد فيما بين سنتي 95 و97ه/713 و715م، ولما نشأ تلقى الحديث على والده الذي كان أحد مشاهير علماء الكوفة، والذي توفي حوالي 126ه، ولما تم الأمر لبني العباس كان سفيان أحد الذين أرادوا أن يعلنوا كراهتهم للحكم الحاضر برفضهم مناصب الدولة التي عرضتها عليهم السلطات الجديدة، وفي سنة 150ه عرض أبو جعفر على سفيان منصب القضاء فرفض وفر إلى اليمن، ولكن حكومة بغداد جعلت تتعقبه، فأحس بذلك فارتحل إلى مكة، غير أن أمير مكة محمد بن إبراهيم تلقى أمرا من الخليفة بتعقبه، ويقول بعض المؤرخين: إنه كان أمر بقتله، ولعل هذه إشاعة منشؤها أن الشعب في ذلك العهد كان يتندر في الخفاء بأوامر العباسيين قائلا: إذا عثرت عليه فاصلبه! إلا أن النووي وابن حجر يؤكدان أنه كان أمرا جديا.

ومهما يكن من شيء فإن سفيان قد تنبه إلى ذلك قبل فوات الفرصة، ففر إلى البصرة، وفيها اختبأ في منزل أحمد بن سعيد، وهناك نصح له بعض أصدقائه أن يحسن علاقته بالقصر، وبالفعل بدئ في المفاوضات بينه وبين بغداد، ولكنه مرض قبل تمامها، وتوفي في شعبان سنة 161ه/سنة 778م.

هذا هو ما يحدثنا به التاريخ عن ذلك المتنسك، ولكن حياته قد أحيطت بسياج من الخرافات.

ومن غرائب الأمور أن بعض المؤرخين يضعونه في الصف الأول ويقدمونه على مالك بن أنس، وأن الذهبي يدعوه بالحجة والثبت على الرغم من أنه كان من كبار المدلسين في عصره، فكان مثلا يعزو بعض الروايات في الحديث إلى شخصيات عظيمة لم يتلقها عنهم، بل تلقاها عن وثائق غير موثوق بها، وقد ذكر لنا الفهرست عددا من مؤلفاته كالجامع الكبير والجامع الصغير والفرائض، ولكن لم يبق شيء من هذه الكتب، ويروي بعض المؤرخين أن الثوري أنبه ضميره قبل موته على هذا التدليس فكلف أحد أصدقائه بإحراق كتبه.

كان سفيان من كبار فقهاء عصره، بل إنه حاول إنشاء مذهب، ولكنه لم يوفق في ذلك، وكان من أهل السنة الذين يؤمنون بالصفات وبأن القرآن غير مخلوق، وبأن علائم الإيمان القول والعمل والنية، وأنه يمكن أن يقوى ويضعف، وأن أبا بكر وعمر مقدمان على «علي»، وله آراء أخرى مثل قوله بصلاة الجمعة والعيدين خلف أي إمام، وبالعناية باختيار الإمام في الصلوات الأخرى، وقوله بتفضيل الإسرار بالبسملة على الجهر بها وبجواز المسح على الخفين بدون ضرورة وبوجوب الخضوع للسلطان عادلا كان أو ظالما.

على أنه لم يرتب أحد في أنه كان يباشر التصوف العملي بين جماعة من رفاقه، منهم السيدة رابعة العدوية المتوفاة بالبصرة في سنة 135ه. (2) المحاسبي

هو أبو عبد الله الحارث بن أسد العنزي، وقد ولد بالبصرة، ولم يحدد التاريخ الذي بين أيدينا سنة مولده، ولما نشأ تلقى الفقه على علماء الشافعية فكان أحد أعلامهم، وتبحر في علم الكلام وكان فيه من أنصار العقل، ولكنه كان يستخدم مفردات المعتزلة ومنطقهم لمهاجمتهم، وأخيرا اعتزل الحياة العامة، وألقى بنفسه بين أحضان التنسك، بعد أن تأمل ردحا من الزمن فيما هو قادم عليه، كما وصف ذلك بإسهاب في وصاياه، وقد اشتهر بالزهد القاصي في عصره، حتى لقد قيل: إنه كان إذا اشتهى لونا من ألوان الطعام ومد إليه يده، تحرك في أصبعه عرق إنذارا له، فيمتنع عنه، وقد أطلق عليه لفظ المحاسبي لكثرة محاسبته نفسه على ما يأتيه من أعمال.

التصوف والمتصوِّفة · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التصوف والمتصوِّفةص ١٦