الحكمة من صفات الله والحكيم من أسمائه الحسنى، ومن حكمته أنه خلق هذا العالم مركبا من أضداد؛ كالليل والنهار، والبرد والحر، والداء والدواء، وخلق الإنسان الطيب ومنه الخبيث.
فإن قيل: لم خلق الله الأضداد، وهلا جعلها كلها سببا واحدا؟ قال ابن القيم: وهل تمام الحكمة وكمال القدرة إلا بخلق المتضادات والمختلفات وترتيب آثارها عليها، وإيصال ما يليق بكل منها.
وسأل ابن القيم أستاذه ابن تيمية: فقد كان من الممكن خلق هذه الأمور مجردة من المفاسد مشتملة على المصلحة الخالصة؟ قال ابن تيمية: خلق هذه الطبيعة بدون لوازمها ممتنع، ولو خلقت على غير هذا الوجه لكانت غير هذه، ولكان عالما آخر غير هذا. أما حقيقة نفس الإنسان فإنها جاهلة ظالمة فقيرة محتاجة، فما حصل لها من كمال وخير فمن الله، وما حصل لها من عجز وفقر وجهل يوجب الظلم والشر فهو منها ومن حقيقتها، فإن قيل: لم لا تكون النفس خيرة، كان هذا بمنزلة أن يقال: هلا تجرد الغيث عما يحصل به من تغريق وتخريب وأذى، وهلا تجردت الشمس عما يحصل منها من حر وسموم.
فكمال القدرة بخلق الأضداد، وكمال الحكمة تنزيلها منازلها، والعالم هو الذي يربط القدرة بالحكمة، ويعلم شمولها لجميع ما خلقه الله ويخلقه.
أما الجديد في مذهب ابن القيم فهو مذهب المحبة بها يفسر جميع المشكلات السابقة، فقد خلق الله العالم وأحب من خلقه عبادته، فقال:
وما خلقت
الجن والإنس إلا ليعبدون ، قال ابن القيم: فأخبر سبحانه أن الغاية المطلوبة من خلقه هي عبادته التي أصلها كمال محبته، وهو سبحانه، كما أنه يحب أن يعبد ويحب أن يحمد ويثنى عليه ويذكر بأوصافه العلى وأسمائه الحسنى.
فالله سبحانه يحب نفسه أعظم محبة ويحب من يحبه، وخلق خلقه لذلك، وشرع شرائعه وأنزل كتبه لأجل ذلك.
ويذهب ابن القيم إلى أبعد من هذا؛ فهناك عقد إلهي بين الله وعباده ثمنه الجنة، وفي ذلك يقول: فالله سبحانه خلق عباده له، ولهذا اشترى منهم أنفسهم، وهذا عقد لم يعقده مع خلق غيرهم، وهذا الشراء دليل على أنها محبوبة له، مصطفاة عنده، مرضية لديه، فالسلعة أنت، والله المشتري، والثمن الجنة.
ومحبة الله من أقوى الأسباب في الصبر عن مخالفته ومعصيته؛ فإن المحب لمن يحب مطيع، وكلما قوي سلطان المحبة في القلب كان اقتضاؤه للطاعة وترك المخالفة أقوى، وإنما تصدر المعصية والمخالفة من ضعف المحبة وسلطانها.
وإذا ما اقترنت المحبة بالإجلال والتعظيم أدت إلى الانقياد.
والمحبة أنواع: طبيعية مشتركة، كمحبة الجائع للطعام والظمآن للماء، ومحبة وإشفاق، كمحبة الوالد لولده الطفل، ومحبة أنس وإلف، وهي محبة المشتركين في صناعة أو علم أو مرافقة أو تجارة. وهذه الأنواع كلها لا تستلزم التعظيم، ولا يتعارض وجودها في الإنسان مع محبة الله، ولهذا كان رسول الله يحب الحلواء والعسل، وكان يحب نساءه، وكانت عائشة أحبهن إليه، وكان يحب أصحابه، وأحبهم إليه الصديق.
أما المحبة التي لا تصلح إلا لله فهي محبة العبودية المستلزمة للذل والخضوع والتعظيم، قال الله تعالى:
والذين آمنوا أشد حبا لله .
والمحبة تقتضي إيثار المحبوب على غيره، والإيثار نوعان: إيثار معاوضة ومتاجرة، وإيثار حب وإرادة، والمحبة الصادقة في الإيثار الصادر عن الإرادة في إيثار المعاوضة وطلب الحظوظ.
ولا محبة بغير إرادة، فهي أساس العبودية الذي لا تقوم إلا عليه، فلا عبودية لمن لا إرادة له.
أما التجرد عن الإرادة إطاعة لهوى المحبوب، فهو عند ابن القيم باطل كما قيل:
أريد وصاله ويريد هجري
فأترك ما أريد لما يريد
والتحقيق عنده أن المحبة هي موافقة المحبوب في إرادته، بأن يبقى مراده مراد محبوبه، وهذا عند الصوفية نقص في العبودية وهو عند ابن القيم من كمال الإسلام.
وعلى هذا النحو يحل ابن القيم مشكلة التوفيق بين الإرادة الإلهية والإرادة الإنسانية لا بطريق الفلاسفة أو المعتزلة أو الأشاعرة أو الصوفية، بل بطريق المحبة.