الواقع أن مرد الخلاف بين أهل السنة والصوفية في طريقة التفكير هو أن المتصوفة يحكمون الذوق ويدركون الأشياء بعين القلب لا بنور العقل، أما أهل السنة فيجعلون الشرع قبلتهم ويتبعون الكتاب والسنة وينفذون إلى الحقائق «بالعقل الصريح والفطرة الكاملة»، ولابن تيمية كتاب اسمه: «موافقة العقل الصريح للنقل الصحيح» رد فيه على مزاعم الطاعنين في أهل السنة. وقال ابن القيم: أما تحكيم الصوفية مجرد الذوق وجعل حكم ذلك الذوق كليا عاما فهذا ونحوه من مثارات الغلط.
ونحن نوافق أهل السنة في هذا الرأي الذي يجمع بين النقل والعقل ويوفق بينهما، ويجعل المعول على العقل في تفسير النصوص والنظر إلى الأمور، والرجوع إلى العقل الصريح هو أول لبنة في بناء مذهب ديكارت من الفلاسفة المحدثين، وهو القائل: «العقل الصريح هو أكثر الأشياء قسمة بين الناس بالتساوي.»
أما الذوق وهو طريق الصوفية فهو منهج لا يتفق مع طبيعة الحياة، ولا يفسر كل شيء ولا يتفق عليه جميع الناس ولا تقبله جميع العقول.
ولقد حكى أبو حامد الغزالي عن نفسه أنه طاف بجميع المذاهب فلم يجد بغيته أو شفت غلته، فانتهى إلى التصوف الذي عده أفضل المذاهب وأليقها بالاتباع، واستطارت شهرة الغزالي ولقب بحجة الإسلام واتبعه كثير من الناس.
فأما ابن القيم فإنه يعترض على الصوفية بأن ليس الزهد أن تترك الدنيا من يدك وهي في قلبك، وإنما الزهد أن تتركها من قلبك وهي في يدك، وهذا كحال الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز الذي يضرب بزهده المثل؛ فقد نادوا بالتوكل ورفضوا الأسباب، فأجابهم ابن القيم، فهذا كما أنه ممتنع عقلا وحسا فهو محرم شرعا ودينا، فإن رفض الأسباب بالكلية انسلاخ من العقل والدين ، وإن أريد به رفض الوقوف معها والوثوق بها، فهذا حق، ولكن النقص لا يكون في السبب ولا في القيام به، وإنما يكون في الإعراض عن المسبب تعالى، فمنع الأسباب أن تكون أسبابا قدح في العقل والشرع، وإثباتها والوقوف معها وقطع النظر عن مسببها قدح في التوحيد والتوكل، والقيام بها وتنزيلها منازلها والنظر إلى مسببها وتعلق القيام به جمع بين الأمر والتوحيد، وبين الشرع والقدر، وهو الكمال.
إذا كان الله هو الخالق المبدع، وهو العليم القدير، وهو الفعال لما يريد، فلماذا يعاقب الناس على أفعالهم؟ وإن قلنا: الإنسان حر، فأين إرادة الله؟
هذه هي المشكلة الكبرى: القضاء والقدر، وحرية الإرادة، وكيف يمكن التوفيق بين القضاء والقدر، وبين الأمر والوعد والوعيد؟
تحيزت بعض الفرق للقدر وحاربت الشرع، وتحيز بعضها الآخر إلى الشرع وكذب القدر، والطائفتان في نظر ابن القيم ضالتان.
وآمنت فرقة ثالثة بالقضاء والقدر وأقرت بالأمر والنهي، ولكنهم جعلوا مشيئة الله وقضاءه دليلا على رضاه به ومحبته له، إذ لو كرهه وأبغضه لحال بينهم وبينه، وقال بعضهم: إن الله يحب الكفر والفسوق والعصيان ويرضى بها!
وهذه كلها أقوال مشهورة؛ فالمعتزلة ينسبون الحرية للإنسان، وبهذا يصح عندهم الوعد والوعيد، والجبرية يثبتون القضاء والقدر ويعطلون حرية الفرد، وجاء الأشاعرة فقالوا بنظرية الكسب الأشعري التي أصبح يضرب بها المثل في الدقة والخفاء، حتى ليقال: أخفى من كسب الأشعري، وخلاصتها أن أفعال العباد مخلوقة لله مكسوبة لهم، فجمعوا بين الإرادتين.
أما أهل السنة فيختلفون عن هؤلاء جميعا، وهم غير الأشاعرة، فإن قلت إن ابن تيمية وتلميذه ابن القيم من الحنابلة، فلا تنافي بين الحنابلة وأهل السنة؛ أليس الإمام أحمد بن حنبل هو الذي ضرب حتى خلعت كتفه في محنة خلق القرآن، ورفض الجواب وقال: القرآن كلام الله، لا أقول مخلوقا أو غير مخلوق.
ورأي ابن القيم في القضاء والقدر يتلخص في شيئين: أنه هناك حكمة إلهية في كل ما خلقه الله وأمر به، وأن الخير من الله والشر من العباد.