فكانت المحصلة، نصوصا متضاربة، وأقوالا متعارضة، تنسب كلها إلى نفس الإمام، وقد اعترف بذلك شيخهم الطوسي وهو يحاول وجود حل لهذه المعضلة، قال: (ذاكرني بعض الأصدقاء أيده الله ممن أوجب حقه علينا، بأحاديث أصحابنا أيدهم الله ورحم السلف منهم ، وما وقع فيها من الاختلاف والتباين والمنافاة والتضاد ، حتى لا يكاد يتفق خبر إلا وبإزائه ما يضاده ولا يسلم حديث إلا وفي مقابلته ما ينافيه ، حتى جعل مخالفونا ذلك من أعظم الطعون على مذهبنا ، وتطرقوا بذلك إلى إبطال معتقدنا) (1) .
ثم ذكر عن شيخه أبي الحسن الهاروني العلوي أنه كان يعتقد الحق ، ويدين بالإمامة ، فرجع عنها لما التبس عليه الأمر في اختلاف الأحاديث ، وترك المذهب. (2)
وقد بلغ من خطورة هذا الأمر أن الإمام يفتي بشيء ، فيرد عليه، ولا يقبل منه، بدعوى أنه تقية.
يحكي شعيب العقرقوفي أحد أتباع الإمام الصادق، وكان قد سمعه ينهى عن أكل ذبائح أهل الكتاب . قال: (فلما خرجنا من عنده ، قال لي أبو بصير: كلها فقد سمعته وأباه جميعا يأمران بأكلها . ثم سأل الإمام عن ذلك ، فقال : لا تأكلها . قال شعيب : فقال لي أبو بصير : كلها ، وفي عنقي . فسأل الإمام ثانية ، فقال : لا تأكلها . فقال أبو بصير : سله ثالثة، قال شعيب : فقلت : لا أسأله بعد مرتين) (3) .
فهذا حال الإمام المعصوم الذي لا يجوز مخالفته والراد عليه كالراد على الله تعالى، بعد أن أفسدت عليه التقية صدقه، ودمرت عليه مذهبه.
(1) تهذيب الأحكام –الطوسي- ج1 ص2
(2) نفس المصدر
(3) ذبائح أهل الكتاب - الشيخ المفيد - ص 9 – 10وبحار الأنوارج 63 ص15