ثم بدأت الأمور تتوتر أكثر فأكثر، وبدأت الدعوة إلى التشيع تفرض نفسها بالقوة، وهنا وقف علماء القيروان وقفتهم الشهيرة التي سجلها لهم التاريخ، وذبوا عن دين الله واسترخصوا أرواحهم في سبيل ذلك:
ولعل هذا النص يوضح لنا بعض ملامح هذه المرحلة:
(كان عبد الله المعروف بالمحتال، صاحب القيروان، شدّ في طلب أهل العم، ليشرّقهم (1) ، فطلب الشيخ أبا سعيد ابن أخي هشام. وأبا محمد التبّان وأبا القاسم بن شبلون، وأبا محمد ابن أبي زيد، وأبا الحسن القابسي، رضي الله عنهم. فاجتمعوا في مسجد ابن اللجام واتفقوا على الفرار. فقال لهم ابن التبان: أنا أمضي إليه، وأكفيكم مؤونة الاجتماع، ويكون كل واحد منكم في داره. ويقال إنهم أرادوا السير إلى عبد الله. فقال لهم: أنا أمضي إليه، أبيع روحي من الله دونكم، لأنكم إن أتي عليكم، وقع على الإسلام وهن. ويقال إنه قال لعبد الله: لما دخل عليه جئتك عن قوم إيمانهم مثل الجبال، أقلّهم يقيناً أنا. فحدث بعض من حضر، قال: كنت مع عبد الله، وقد احتفل مجلسه بأصحابه، وفيهم الداعيان: أبو طالب، وأبو عبد الله. لعنهم الله. وقد وجه إلى ابن التبان، فإذا به داخل، وعيناه توقدان، كأنهما عينا شجاع. فدخل وسلم. فقال: أبطأت عنا يا أبا محمد. فقال: في شغلك، كتاب ألفته في فضائل أهل البيت الساعة. أتاني به المجلد، ودفعه إليّ. فقال: يا أبا محمد ناظر هؤلاء الدعاة. قال: في ماذا؟ قال في فضائل أهل البيت. فقال لهما: ما تحفظان في ذلك. فقال له أبو طالب: أنا أحفظ حديثان - ولحن - ثم سأل الآخر، فقال له: وأنا أحفظ حديثان. فقال فيما ذان الحديثان اللذان تحفظ أنت؟ فقال له: هما يحفظان حديثان - ونطق بلحنهما - وأنا أحفظ في ذلك تسعين حديثاً، فأولى بهما الرجوع إلي. ثم قال عبد الله: يا أبا محمد، من أفضل أبو بكر أو عليّ؟ قال: ليس هذا موضعه.
(1) نسبة إلى المشرق، وكان هذا اللقب يستخدم في ذلك الوقت لمن تشيع.