و لا يسعنا إغفال دور أعيان البوسنة في خدمة و حفظ تراث الصوفية العلمي ، و العناية بكتبهم ، الأمر الذي نوثقه بإلقاء نظرة على إحدى وقفيات الكتب في البوسنة و هي وقفية درويش باشا الموستاري ، حيث ذكر في وقفيته التي كتبها بيده واحداً و أربعين كتاباً تشمل علوم مختلفة و يظهر من عناوينها عظم اهتمامه بكتب الصوفية ، و ظهور نسبتها بين ما أوقفه من كتب أكثر من تسعة أعشارها في الأوراد و الكرامات و أحوال أهل الطرق(1) .
لا بد من الإشارة هنا إلى أنَّه على الرغم من الدعم الرسمي الذي قدَّمته الدولة العثمانيَّة ، و من بعدها الأنظمة العلمانية التي تسلطت على البوسنة ، فإنَّ قدراً من التصدي للصوفيَّة قد كان موجوداً بين علماء البوسنة .
... و قد كان لخصوم التصوف في البوسنة منطلقان في مقاومته :
... المنطلق الأوَّل : و هو باعتبار الطرق الصوفيَّة طرقاً مبتدعةً في الدين ، و فيها مخالفاتٌ كثيرة للكتاب السنة ، و لما كان عليه السلف الصالح رضوان الله عليهم ، في العلم و العمل ، التي ربَّما أدَّت بصاحبها إلى المروق من الإسلام .
... و قد عرف بالتصدي للتصوف و الصوفيَّة من هذا المنطلق عددٌ من علماء الإسلام البشانقة ، و من أشهرهم العلاَّمة حسن كافي الآقحصاري ، الذي سبقت الإشارة إلى موقفه من الحمزويين ، حيث حكم بكفرهم ، و دعا إلى مجاهدتهم ، و كان سبَّاقاً إلى ذلك .
(1) ... انظر : نياز شكريتش : انتشار الإسلام في البوسنة و الهرسك : 290- 296 .