وقد أجمع الصحابة بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على هذا الحكم، وهو وحدة الخلافة، عندما عرض الأنصار على المهاجرين قائلين: "منا رجل ومنكم رجل"، فقال عمر بن الخطاب: "سيفان في غمد واحد إذاً لا يصطلحان"، وقال أبو بكر: "وإنه لا يحلّ أن يكون للمسلمين أميران"، ثم أجمع الصحابة على مبايعة خليفة واحد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو أبو بكر الصديق.
رابعاً: للخليفة وحده حق تبني الأحكام الشرعية فيما له علاقة برعاية شؤون الرعية. فإذا تعددت الاجتهادات الشرعية في المسألة الواحدة، فهو المسؤول أمام الله، وتجاه المسلمين عن تبنِّي حكم شرعي من هذه الاجتهادات، الذي يغلب على ظنّه أنه الصواب لتطبيقه. وقد تبنَّى أبو بكر في خلافته أحكاماً شرعية ألزم الناس العمل بها، وتبنَّى من بعده عمر وعثمان وعلي في خلافتهم أحكاماً أخرى ألزموا الناس العمل بها، ولم ينكر عليهم أحد من الصحابة ذلك، فكان إجماعاً من الصحابة على أنّ للخليفة أن يتبنى أحكاماً معينة يُلْزِمُ الناسَ العملَ بها، وقد اُستنبطت قواعدُ شرعية مشهورة في ذلك، مثل: " للسلطان أن يُحْدِثَ من الأقضية بقدر ما يَحْدُثُ من مشكلات"، ومثل: "أمر الإمام يرفع الخلاف"، ومثل: "أمر الإمام نافذٌ ظاهراً و باطناً". فالمسلم ينفذ أمر الإمام فيما يتعلق بسلوكه الظاهر بينه و بين الدولة وبينه وبين الناس ، وكذلك في سلوكه المخفي عن الدولة. ومع ذلك يجوز لأي مسلم، إن اقتنع بصواب اجتهاد معين يخالف ما تبناه الخليفة، أن يُعلمّه للناس وأن يدعو له، وذلك لأنّ إجماع الصحابة يدلّ على لزوم العمل بما تبناه الخليفة، وليس التعليم والدعوة لما تبناه الخليفة، فأبو بكر كان يوزع المال على المسلمين بالتساوي في خلافته، بينما كان عمر يرى غير ذلك، وقد ناقش أبا بكر في هذا الحكم، ولكنه خضع عملياً لما تبناه أبو بكر، وعندما صارت إليه الخلافة، طبق ما كان يتبناه هو. فتبنِّي الخليفة مُلزِم