قال الحافظ: قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ: أَجْمَع الْفُقَهَاء أَنْ لا يُسَافَر بِالْمُصْحَفِ فِي السَّرَايَا وَالْعَسْكَر الصَّغِير الْمَخُوف عَلَيْهِ , وَاخْتَلَفُوا فِي الْكَبِير الْمَأْمُون عَلَيْهِ: فَمَنَعَ مَالِك أَيْضًا مُطْلَقًا , وَفَصَّلَ أَبُو حَنِيفَة , وَأَدَارَ الشَّافِعِيَّة الْكَرَاهَة مَعَ الْخَوْف وُجُودًا وَعَدَمًا. وَقَالَ بَعْضهمْ كَالْمَالِكِيَّةِ , وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى مَنْع بَيْع الْمُصْحَف مِنْ الْكَافِر لِوُجُودِ الْمَعْنَى الْمَذْكُور فِيهِ وَهُوَ التَّمَكُّن مِنْ الاسْتِهَانَة بِهِ , وَلا خِلاف فِي تَحْرِيم ذَلِكَ وَإِنَّمَا وَقَعَ الاخْتِلاف هَلْ يَصِحّ لَوْ وَقَعَ وَيُؤْمَر بِإِزَالَةِ مِلْكه عَنْهُ أَمْ لا؟ وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى مَنْع تَعَلُّم الْكَافِر الْقُرْآن: فَمَنَعَ مَالِك مُطْلَقًا , وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّة مُطْلَقًا , وَعَنْ الشَّافِعِيّ قَوْلانِ , وَفَصَّلَ بَعْض الْمَالِكِيَّة بَيْن الْقَلِيل لأَجْلِ مَصْلَحَة قِيَام الْحُجَّة عَلَيْهِمْ فَأَجَازَهُ , وَبَيْن الْكَثِير فَمَنَعَهُ. وَيُؤَيِّدهُ قِصَّة هِرَقْل حَيْثُ كَتَبَ إِلَيْهِ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - بَعْض الآيَات , وَقَدْ سَبَقَ فِي " بَاب هَلْ يُرْشِد بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا " وَقَدْ نَقَلَ النَّوَوِيّ الِاتِّفَاق عَلَى جَوَاز الْكِتَابَة إِلَيْهِمْ بِمِثْلِ ذَلِكَ. (1)
الدعوة قبل القتال:
قَالَ الخرقي: وَيُقَاتَلُ أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسُ، وَلَا يُدْعَوْنَ، لِأَنَّ الدَّعْوَةَ قَدْ بَلَغَتْهُمْ وَيُدْعَى عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ قَبْلَ أَنْ يُحَارَبُوا
قال ابن قدامة: أَمَّا قَوْلُهُ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوس: لَا يُدْعَوْنَ قَبْلَ الْقِتَالِ. فَهُوَ عَلَى عُمُومِهِ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَةَ قَدْ انْتَشَرَتْ وَعَمَّتْ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ إلَّا نَادِرٌ بَعِيدٌ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: يُدْعَى عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ قَبْلَ أَنْ يُحَارَبُوا.
(1) الفتح (6/ 156)