(لا يَصْلُحُ الْكَذِبُ إِلا فِي ثَلاثٍ: كَذِبُ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ لِتَرْضَى عَنْهُ، أَوْ كَذِبٌ فِي الْحَرْبِ فَإِنَّ الْحَرْبَ خَدْعَةٌ، أَوْ كَذِبٌ فِي إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ)) (1).
قال الحافظ: قَالَ النَّوَوِيّ: الظَّاهِر إِبَاحَة حَقِيقَة الْكَذِب فِي الأُمُور الثَّلاثَة , لَكِنَّ التَّعْرِيض أَوْلَى.
وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ: الْكَذِب فِي الْحَرْب مِنْ الْمُسْتَثْنَى الْجَائِز بِالنَّصِّ رِفْقًا بِالْمُسْلِمِينَ لِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ وَلَيْسَ لِلْعَقْلِ فِيهِ مَجَال , وَلَوْ كَانَ تَحْرِيم الْكَذِب بِالْعَقْلِ مَا اِنْقَلَبَ حَلالاً. اِنْتَهَى.
وَيُقَوِّيه مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَابْن حِبَّانَ مِنْ حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة الْحَجَّاج اِبْن عِلَاط الَّذِي أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم فِي اِسْتِئْذَانه النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُول عَنْهُ مَا شَاءَ لِمَصْلَحَتِهِ فِي اِسْتِخْلاص مَاله مِنْ أَهْل مَكَّة وَأَذِنَ لَهُ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - , وَإِخْبَاره لأَهْلِ مَكَّة أَنَّ أَهْل خَيْبَر هَزَمُوا الْمُسْلِمِينَ وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَشْهُور فِيهِ , وَلا يُعَارِض ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق مُصْعَب بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ فِي قِصَّة عَبْد اللَّه بْن أَبِي سَرْح , وَقَوْل الأَنْصَارِيّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا كَفّ عَنْ بَيْعَته " هَلا أَوْمَأْتَ إِلَيْنَا بِعَيْنِك , قَالَ: مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُون لَهُ خَائِنَة الأَعْيُن " لأَنَّ طَرِيق الْجَمْع بَيْنهمَا أَنَّ الْمَأْذُون فِيهِ بِالْخِدَاعِ وَالْكَذِب فِي الْحَرْب حَالَة الْحَرْب خَاصَّة , وَأَمَّا حَال الْمُبَايَعَة فَلَيْسَتْ بِحَالِ حَرْب , كَذَا قَالَ , وَفِيهِ نَظَر لأَنَّ قِصَّة الْحَجَّاج بْن عِلاط أَيْضًا لَمْ تَكُنْ فِي حَال حَرْب.
وَالْجَوَاب الْمُسْتَقِيم أَنْ تَقُول: الْمَنْع مُطْلَقًا مِنْ خَصَائِص النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فَلا يَتَعَاطَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا لِغَيْرِهِ , وَلا يُعَارِض ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ غَزْوَة وَرَّى بِغَيْرِهَا , فَإِنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ كَانَ يُرِيد أَمْرًا فَلا يُظْهِرهُ كَأَنْ يُرِيد أَنْ يَغْزُو جِهَة الشَّرْق فَيَسْأَل عَنْ أَمْر فِي جِهَة الْغَرْب , وَيَتَجَهَّز لِلسَّفَرِ فَيَظُنّ مَنْ يَرَاهُ وَيَسْمَعهُ أَنَّهُ يُرِيد جِهَة الْغَرْب , وَأَمَّا أَنْ يُصَرِّح بِإِرَادَتِهِ الْغَرْب وَإِنَّمَا مُرَاده الشَّرْق فَلا , وَاللَّه أَعْلَم.
وَقَالَ اِبْن بَطَّال: سَأَلْت بَعْض شُيُوخِي عَنْ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ: الْكَذِب الْمُبَاح فِي الْحَرْب مَا يَكُون مِنْ الْمَعَارِيض لا التَّصْرِيح بِالتَّأْمِينِ مَثَلاً. (2)
(1) رواه أحمد في مسند القبائل حديث أسماء بنت يزيد (26315)، والترمذي في البر والصلة (1862).
(2) الفتح (6/ 184).