ولا يلزم من ذلك خروج الإمام في كل غزوة بل له أن يخرج البعوث والجيوش ويؤمر عليها الأمير الصالح النافع، فقد كان صلى الله عليه وسلم ومن بعده يخرجون بأنفسهم تارة ويرسلون الأمراء أخرى حسب ما تقتضيه الحاجة والمصلحة.
العلم بأمور القتال:
وقد كان صلى الله عليه وسلم يخرج على الجيوش بنفسه، وكان يعلم الناس أحكام الجهاد وآدابه، وما يحل لهم، وما يحرم عليهم، وإذا أخرج سرية كان يضع عليهم من يستحق الإمارة ويكون على علم بدين الله تعالى وأحكامه من ناحية، ويكون على علم بأمور القتال ودراية بأمور الحرب والخبرة والحنكة فيها ودأب على ذلك الخلفاء الراشدين فكانوا يؤمرون على الجيوش أمثال علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد وأمثالهم من الصحابة المشهورين بالخبرة والعلم والدراية بأمور القتال وسياسة الناس.
تفقد أحوال المجاهدين والاهتمام بهم:
ومر معنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشاركهم فيما يكونون فيه من عمل، وكان يهتم بطعامهم وشرابهم، وكان يهتم بالجرحىى ويداويهم بل ربما ينصب لهم الخيمة في المسجد ليكونوا قريبا منه ويكلف من يقوم على علاجهم كما فعل بسعد بن معاذ رضي الله عنه، وكان يتفقد الناس بعد انتهاء الحرب، ويسال عنهم وكان صلى الله عليه يدفن بعض من قتل معه بيده .. بل الأكثر من ذلك أنه كان يهتم بأهالي المجاهدين ويرعاهم ويوصي بهم، وكان يتولى أمر النساء والأطفال من بعدهم ويوصي بذلك ويحث عليه، ويشدد عل عظيم حرمتهم .. ومر معنا كل الأحاديث الدالة على تلك الأمور كلها.
ـ عن عَبَّادَ بْنَ زَاهِرٍ أَبَا رُوَاعٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَخْطُبُ فَقَالَ:
(إِنَّا وَاللَّهِ قَدْ صَحِبْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، وَكَانَ يَعُودُ مَرْضَانَا، وَيَتْبَعُ جَنَائِزَنَا، وَيَغْزُو مَعَنَا، وَيُوَاسِينَا بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَإِنَّ نَاسًا يُعْلِمُونِي بِهِ عَسَى أَنْ لا يَكُونَ أَحَدُهُمْ رَآهُ قَطُّ) (1).
(1) رواه أحمد في مسند عثمان رضي الله عنه (473) وقال أحمد شاكر إسناده حسن.