((أَنَّهَا رَأَتْ هِنْد بِنْت عَمْرو تَسُوق بَعِيرًا لَهَا عَلَيْهِ زَوْجهَا عَمْرو بْن الْجَمُوح وَأَخُوهَا عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن حَرَام لِتَدْفِنهُمَا بِالْمَدِينَةِ , ثُمَّ أَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَدِّ الْقَتْلَى إِلَى مَضَاجِعهمْ)).
(فَاسْتَخْرَجْته بَعْد سِتَّة أَشْهُر) أَيْ مِنْ يَوْم دَفْنه وَهَذَا يُخَالِف فِي الظَّاهِر مَا وَقَعَ فِي الْمُوَطَّأ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي صَعْصَعَة:
((أَنَّهُ بَلَغَهُ عَمْرو بْن الْجَمُوح وَعَبْد اللَّه بْن عَمْرو الأَنْصَارِيَّيْنِ كَانَا قَدْ حَفَرَ السَّيْل قَبْرهمَا , وَكَانَا فِي قَبْر وَاحِد , فَحُفِرَ عَنْهُمَا لِيُغَيَّرَا مِنْ مَكَانهمَا فَوُجِدَا لَمْ يَتَغَيَّرَا كَأَنَّهُمَا مَاتَا بِالأَمْسِ , وَكَانَ بَيْن أُحُد وَيَوْم حُفِرَ عَنْهُمَا سِتّ وَأَرْبَعُونَ سَنَة))
وَقَدْ جَمَعَ بَيْنهمَا اِبْن عَبْد الْبَرّ بِتَعَدُّدِ الْقِصَّة , وَفِيهِ نَظَر لأَنَّ الَّذِي فِي حَدِيث جَابِر أَنَّهُ دَفَنَ أَبَاهُ فِي قَبْر وَحْده بَعْد سِتَّة أَشْهُر وَفِي حَدِيث الْمُوَطَّأ أَنَّهُمَا وُجِدَا فِي قَبْر وَاحِد بَعْد سِتّ وَأَرْبَعِينَ سَنَة فَإِمَّا أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِكَوْنِهِمَا فِي قَبْر وَاحِد قُرْب الْمُجَاوَرَة , أَوْ أَنَّ السَّيْل خَرَقَ أَحَد الْقَبْرَيْنِ فَصَارَا كَقَبْرٍ وَاحِد.
وَقَدْ ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق الْقِصَّة فِي الْمَغَازِي فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَشْيَاخ مِنْ الأَنْصَار قَالُوا:
((لَمَّا ضَرَبَ مُعَاوِيَة عَيْنه الَّتِي مَرَّتْ عَلَى قُبُور الشُّهَدَاء اِنْفَجَرَتْ الْعَيْن عَلَيْهِمْ فَجِئْنَا فَأَخْرَجْنَاهُمَا - يَعْنِي عَمْرًا وَعَبْد اللَّه - وَعَلَيْهِمَا بُرْدَتَانِ قَدْ غُطِّيَ بِهِمَا وُجُوههمَا وَعَلَى أَقْدَامهمْ شَيْء مِنْ نَبَات الأَرْض , فَأَخْرَجْنَاهُمَا يَتَثَنَّيَانِ تَثَنِّيًا كَأَنَّهُمَا دُفِنَا بِالأَمْسِ)).
وَلَهُ شَاهِد بِإِسْنَادٍ صَحِيح عِنْد اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيق أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر.
قَوْله: (فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ هُنَيَّةً غَيْر أُذُنه) أَيْ شَيْئًا يَسِيرًا، فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ وَالطَّبَرَانِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَة بِلَفْظِ: ((وَهُوَ كَيَوْمِ دَفَنْته , إِلا هُنَيَّة عِنْد أُذُنه))
وَلابْنِ سَعْد عَنْ أَبِي مَسْلَمَة: ((إِلا قَلِيلاً مِنْ شَحْمَة أُذُنه))
وَلأَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي مَسْلَمَة: ((إِلا شَعَرَات كُنَّ مِنْ لَحَيَّته مِمَّا يَلِي الأَرْض)) وَيُجْمَع بَيْن هَذِهِ الرِّوَايَة وَغَيْرهَا بِأَنَّ الْمُرَاد الشَّعَرَات الَّتِي تَتَّصِل بِشَحْمَةِ الأُذُن , وَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة سَبَب تَغَيُّر ذَلِكَ دُون غَيْره.