فَاشْتَاقَ لَهَا. وَقَوْله (وَاهًا) قَالَهُ إِمَّا تَعَجُّبًا وَإِمَّا تَشَوُّقًا إِلَيْهَا , فَكَأَنَّهُ لَمَّا اِرْتَاحَ لَهَا وَاشْتَاقَ إِلَيْهَا صَارَتْ لَهُ قُوَّة مَنْ اِسْتَنْشَقَهَا حَقِيقَة.
(قَالَ سَعْد: فَمَا اِسْتَطَعْت يَا رَسُول اللَّه مَا صَنَعَ أَنَس) قَالَ اِبْن بَطَّال يُرِيد مَا اِسْتَطَعْت أَنْ أَصِف مَا صَنَعَ أَنَس مِنْ كَثْرَة مَا أَغْنَى وَأَبْلَى فِي الْمُشْرِكِينَ.
وَقَعَ عِنْد يَزِيد بْن هَارُون عَنْ حُمَيْدٍ ((قال سعد: فَقُلْت أَنَا مَعَك فَلَمْ اِسْتَطِعْ أَنْ أَصْنَع مَا صَنَعَ)) وَظَاهِره أَنَّهُ نَفَى اِسْتِطَاعَة إِقْدَامه الَّذِي صَدَرَ مِنْهُ حَتَّى وَقَعَ لَهُ مَا وَقَعَ مِنْ الصَّبْر عَلَى تِلْكَ الأَهْوَال بِحَيْثُ وَجَدَ فِي جَسَده مَا يَزِيد عَلَى الثَّمَانِينَ مِنْ طَعْنَة وَضَرْبَة وَرَمْيَة , فَاعْتَرَفَ سَعْد بِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُقْدِم إِقْدَامه وَلا يَصْنَع صَنِيعه.
(فَمَا عَرَفَهُ أَحَد إِلا أُخْته) فِي رِوَايَة ثَابِت " فَقَالَتْ عَمَّتِي الرُّبَيِّع بِنْت النَّضْر أُخْته: فَمَا عَرَفْت أَخِي إِلا بِبَنَانِهِ " زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْه " وَكَانَ حَسَن الْبَنَان " وَالْبَنَان الإِصْبَع , وَقِيلَ طَرَف الإِصْبَع.
وَفِي قِصَّة أَنَس بْن النَّضْر مِنْ الْفَوَائِد:
ـ جَوَاز بَذْل النَّفْس فِي الْجِهَاد.
ـ وَفَضْل الْوَفَاء بِالْعَهْدِ وَلَوْ شَقَّ عَلَى النَّفْس حَتَّى يَصِل إِلَى إِهْلاكهَا.
ـ وَأَنَّ طَلَب الشَّهَادَة فِي الْجِهَاد لا يَتَنَاوَلهُ النَّهْي عَنْ الإِلْقَاء إِلَى التَّهْلُكَة.
ـ وَفِيهِ فَضِيلَة ظَاهِرَة لأَنَس بْن النَّضْر وَمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ صِحَّة الإِيمَان وَكَثْرَة التَّوَقِّي وَالتَّوَرُّع وَقُوَّة الْيَقِين.
قَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير: مِنْ أَبْلَغ الْكَلام وَأَفْصَحه قَوْل أَنَس بْن النَّضْر فِي حَقّ الْمُسْلِمِينَ " أَعْتَذِر إِلَيْك " وَفِي حَقّ الْمُشْرِكِينَ " أَبْرَأ إِلَيْك " فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَرْضَ الأَمْرَيْنِ جَمِيعًا مَعَ تَغَايُرهمَا فِي الْمَعْنَى. (1)
(1) فتح الباري باختصار.