((كَانَ أَبُو طَلْحَةَ لا يَصُومُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَجْلِ الْغَزْوِ، فَلَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ أَرَهُ مُفْطِرًا إِلا يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى)) (1)
إِنَّمَا تَرَكَ التَّطَوُّع بِالصَّوْمِ لأَجْلِ الْغَزْو خَشْيَة أَنْ يُضْعِفهُ عَنْ الْقِتَال , مَعَ أَنَّهُ فِي آخِر عُمْره رَجَعَ إِلَى الْغَزْو , فَرَوَى اِبْن سَعْد وَالْحَاكِم وَغَيْرهمَا عَنْ أَنَس:
((أَنَّ أَبَا طَلْحَة قَرَأَ (اِنْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً) فَقَالَ: اِسْتَنْفَرَنَا اللَّه شُيُوخًا وَشُبَّانًا جَهِّزُونِي , فَقَالَ لَهُ بَنُوهُ: نَحْنُ نَغْزُو عَنْك , فَأَبَى فَجَهَّزُوهُ , فَغَزَا فِي الْبَحْر فَمَاتَ , فَدَفَنُوهُ بَعْد سَبْعَة أَيَّام وَلَمْ يَتَغَيَّر))
قَالَ الْمُهَلَّب: مَثَّلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُجَاهِد بِالصَّائِمِ لا يُفْطِر , يَعْنِي كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّل الْجِهَاد فَلِذَلِكَ قَدَّمَهُ أَبُو طَلْحَة عَلَى الصَّوْم , فَلَمَّا تَوَطَّأَ الإِسْلام وَعَلِمَ أَنَّهُ صَارَ فِي سَعَة أَرَادَ أَنْ يَأْخُذ حَظّه مِنْ الصَّوْم إِذْ فَاتَهُ الْغَزْو , وَفِيهِ أَنَّهُ كَانَ لا يَرَى بِصِيَامِ الدَّهْر بَأْسًا. ا. هـ (2)
عن أنس رضي الله عنه:
((أن أبا طلحة قرأ (انفروا خفافا وثقالا) فقال: استنفرنا الله، وأمرنا شيوخنا وشبابنا، جهزوني، فقال بنوه: يرحمك الله! إنك قد غزوت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، ونحن نغزو عنك الآن، قال: فغزا البحر، فمات، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها، إلا بعد سبعة أيام، فلم يتغير)) (3)
وعن أنس رضي الله عنه:
((قرأ أبو طلحة سورة براءة فأتى على هذه الآية "انفروا خفافًا وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله" فقال أرى ربنا يستنفرنا شيوًخا وشبابًا، جهزوني يا بني، فقال بنوه: يرحمك الله قد غوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات، ومع أبي بكر حتى مات، ومع عمر حتى مات، فنحن نغزو عنك، فأبى، فركب البحر فمات، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد تسعة أيام، فلم يتغير، فدفنوه بها)) (4)
(1) رواه البخاري في الجهاد والسير باب من اختار الغزو على الصوم (2828)، وأحمد (11578).
(2) قتح الباري (6/ 50)
(3) سير أعلام النبلاء (2/ 34)، ورواه ابن سعد في الطبقات (3/ 507) وإسناده صحيح.
(4) تفسير ابن كثير (4/ 97)، وقال ابن حجر في الإصابة (1/ 567) إسناده صحيح إلا أنه ذكر سبعة أيام بدلاً من تسعة.