تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهذا الحديث حديث جليل تقشعر منه الأبدان، وتخشع له القلوب، وترتعد له جوارح الإنسان، فيا ليت المرء يخرج من عمله الذي كان رياء وسمعة بلا أجر، لكان الأمر هينًا ويسيرًا، ولكن وراء ذلك ما هو أشد وأعظم .. وهو العقوبة التي تنتظره في الآخرة

فأهل الرياء والسمعة هم أول من تسعر بهم النار، وأول من يُقذفون فيها .. ولو كان لهم ملء الأرض ذهبًا لافتدوا به من هذا النكال والعذاب الأليم.

لذلك كان أبو هريرة رضي الله عنه إذا ذكر هذا الحديث أصابته الرعدة وغُشي عليه وأصابه الإغماء، لفرط خوفه من الرياء، وأن يصيبه مثل هؤلاء .. ومن المعلوم أن أبا هريرة من أصحاب النبي الكرام الذين زكاهم الله ورضى عنهم وغفر لهم .. ولكنها الخشية من الله كانت في قلوبهم عظيمة .. والخوف أن يصيبهم شيء من الرياء كبيرة.

ومن العقوبات: الفضيحة في الآخرة:

عن جندب رضي الله عنه قال: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ)) (1)

قال الحافظ في الفتح: وَلابْنِ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْد مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود " مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ , وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللَّهُ بِهِ , وَمَنْ تَطَاوَلَ تَعَاظُمًا خَفَضَهُ اللَّهُ , وَمَنْ تَوَاضَعَ تَخَشُّعًا رَفَعَهُ اللَّه "

وَوَقَعَ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ: عَنْ جَابِر فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث ((وَمَنْ كَانَ ذَا لِسَانَيْنِ فِي الدُّنْيَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُ لِسَانَيْنِ مِنْ نَار يَوْمَ الْقِيَامَة))

قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلاً عَلَى غَيْر إِخْلاصٍ وَإِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَرَاهُ النَّاس وَيَسْمَعُوهُ جُوزِيَ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ يُشَهِّرَهُ اللَّهُ وَيَفْضَحَهُ وَيُظْهِرَ مَا كَانَ يُبْطِنُهُ وَقِيلَ مَنْ قَصَدَ بِعَمَلِهِ الْجَاهَ وَالْمَنْزِلَةَ عِنْد النَّاس وَلَمْ يُرِدْ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّه يَجْعَلهُ حَدِيثًا عِنْد النَّاس الَّذِينَ أَرَادَ نَيْلَ الْمَنْزِلَة عِنْدهمْ وَلا ثَوَاب لَهُ فِي الآخِرَة , وَمَعْنَى يُرَائِي يُطْلِعهُمْ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لَهُمْ لا لِوَجْهِهِ.

وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ((مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا - إِلَى قَوْله - مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ))

وَقِيلَ: سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ شَهَّرَهُ أَوْ مَلأَ أَسْمَاعَ النَّاسِ بِسُوءِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْقِيَامَة بِمَا يَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنْ خُبْث السَّرِيرَةِ.

(1) رواه البخاري في الرقاق باب الرياء والسمعة (6499)، ومسلم في الزهد (5302)، وابن ماجه في الزهد (4197)، وأحمد (18055)

الترغيب في الجهاد · الصفحة ٤١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الترغيب في الجهادص ٤١١