تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا يصح أن يراد به جميع سبل الخير؛ لأنه لو كان المراد به جميع سبل الخير لم يكن للحصر فائدة في قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ .. الآية) إذ يكون الحصر عديم التأثير، فالمراد في سبيل الله هو الجهاد في سبيل الله.

فيعطى المقاتلون في سبيل الله، الذين يظهر من حالهم أنهم يقاتلون لتكون كلمة الله هي العليا، يعطون من الزكاة ما يحتاجون إليه من النفقات والأسلحة وغير ذلك، ويجوز أن تشترى الأسلحة لهم من الزكاة ليقاتلوا بها، ولكن لابد أن يكون القتال في سبيل الله. لأن الله تعالى يقول: (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) والذي يقاتل في سبيل الله هو الذي يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا

حل الصدقة للمجاهد وإن كان غنيًا

الزكاة تصرف في الجهاد وأموره وعلى المجاهدين حتى وإن كانوا أغنياء، كما في الحديث التالي

عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ وأبي سعيد الخدري: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلا لِخَمْسَةٍ: لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ لِغَارِمٍ، أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ لِرَجُلٍ كَانَ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتُصُدِّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ فَأَهْدَاهَا الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ)) (1)

(لِغَنِيٍّ): لِقَوْلِهِ تَعَالَى ((إِنَّمَا الصَّدَقَات لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين .. الآية))

(إِلا لِخَمْسَةٍ): فَتَحِلّ لَهُمْ وَهُمْ أَغْنِيَاء لأَنَّهُمْ أَخَذُوهَا بِوَصْفٍ آخَر

(لِغَازٍ فِي سَبِيل اللَّه): لِقَوْلِهِ تَعَالَى ((وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ)) أَيْ لِمُجَاهِدٍ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا.

قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ: هَذَا الْحَدِيث مُفَسِّر لِمُجْمَلِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا تَحِلّ الصَّدَقَة لِغَنِيٍّ وَلا لِذِي مِرَّة سَوِيّ , وَأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى عُمُومه. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الصَّدَقَة الْمَفْرُوضَة لا تَحِلّ لِغَيْرِ الْخَمْسَة الْمَذْكُورِينَ.

قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ بَيَان أَنَّ الْغَازِي وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا لَهُ أَنْ يَأْخُذ الصَّدَقَة وَيَسْتَعِين بِهَا فِي غَزْوه وَهُوَ مِنْ سَهْم السَّبِيل ـ يعني قوله تعالى ((وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ)) ـ , وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد بْن حَنْبَل وَإِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ. ا. هـ (2)

- -

فضائل النفقة في الجهاد

الجنة للمنفقين:

قال تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْءَانِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) (3)

قال ابن كثير: يخبر تعالى أنه عاوض عباده المؤمنين عن أنفسهم وأموالهم إذ بذلوها في سبيله بالجنة، وهذا من فضله وكرمه وإحسانه، فإنه قبل العوض عما يملكه بما تفضل به على عباده المطيعين له.

ولهذا قال الحسن البصري وقتادة: بايعهم والله فأغلى ثمنهم.

وقال شَمِر بن عطية: ما من مسلم إلا ولله عز وجل في عُنُقه بيعة، وفَّى بها أو مات عليها، ثم تلا هذه الآية.

ولهذا يقال: من حمل في سبيل الله بايع الله، أي: قَبِل هذا العقد ووفى به.

وقال محمد بن كعب القُرَظي وغيره: قال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني ليلة العقبةِ -: اشترط لربك ولنفسك ما شئت! فقال: "أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم". قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: "الجنة". قالوا: رَبِح البيعُ، لا نُقِيل ولا نستقيل، فنزلت ((إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ)) الآية.

((وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ)) أي: ولا واحد أعظم وفاءً بما عاهد عليه من الله فإنه لا يخلف الميعاد، وهذا كقوله تعالى ((وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا)) ((وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا)).

ولهذا قال ((فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) أي: فليستبشر من قام بمقتضى هذا العقد ووفى بهذا العهد، بالفوز العظيم، والنعيم المقيم. ا. هـ (4)

- - - -

النفقة في سبيل الله دليل الصدق والإيمان

الإيمان ليس مجرد دعاوى يدعيها الناس، أو كما يظن البعض أنه مجرد تصديق بالقلب، لا واقع له في الحياة العملية، إنما الإيمان لا بد له من قول وعمل .. عمل يظهر على الجوارح يدل على صدق الإيمان الذي يدعي أنه في القلب .. وعمل يصدق قول اللسان .. لا بد من دليل واضح جلي يفصح عما في القلب من عقيدة .. والله تبارك وتعالى يخبرنا في كتابه الكريم أن أهل الإيمان الحقيقي لا الكاذب، هم الذين يجاهدون في سبيله بالنفس والمال .. يبذلون أعز ما يملكون "النفس والمال" .. فإذا فعلوا ذلك كانوا من أهل الإيمان الحقيقي لا الزائف .. ومن أهل الصدق .. لا الكذب والزور والبهتان ..

هذه هي الحقيقة التي يجب أن يعرض الإنسان عليها نفسه وعمله، ليعرف هل هو من أهل الصدق والإيمان أم من المرتابين الذين هم في ريبهم يترددون.

قال الله تبارك وتعالى:

((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)) (5)

قال ابن كثير: وقوله ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ)) أي: إنما المؤمنون الكُمَّل ((الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا)) أي: لم يشكوا ولا تزلزلوا، بل ثبتوا على حال واحدة، وهي التصديق المحض ((وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) أي: وبذلوا مهجهم ونفائس أموالهم في طاعة الله ورضوانه.

((أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)) أي: في قولهم إذا قالوا: "إنهم مؤمنون"، لا كبعض الأعراب الذين ليس معهم من الدين إلا الكلمة الظاهرة. (6)

وقال سيد في الظلال:

((أولئك هم الصادقون)) الصادقون في عقيدتهم. الصادقون حين يقولون: إنهم مؤمنون. فإذا لم تتحقق تلك المشاعر في القلب، ولم تتحقق آثارها في واقع الحياة، فالإيمان لا يتحقق. والصدق في العقيدة وفي ادعائها لا يكون. ا. هـ (7)

(1) رواه أبو داود في الزكاة باب من يجوز له أخذ الصدقة (1393)، وابن ماجه في الزكاة (1831)، وأحمد في مسند أبي سعيد (11113)، ومالك في الزكاة (535) والحاكم وصححه الألباني في صحيح الجامع (7250).

(2) عون المعبود (4/ 47) باختصار.

(3) التوبة 111

(4) تفسير ابن كثير (2/ 338)

(5) الحجرات 15

(6) تفسير بن كثير (4/ 193)

(7) الظلال (7/ 5)

الترغيب في الجهاد · الصفحة ٣٠٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الترغيب في الجهادص ٣٠٢