وأنهم يرزقون. فيتلقون رزقه لهم استقبال الأحياء. . ويخبرنا كذلك بما لهم من خصائص الحياة الأخرى:
((فرحين بما آتاهم الله من فضله))
فهم يستقبلون رزق الله بالفرح; لأنهم يدركون أنه ((من فضله)) عليهم. فهو دليل رضاه وهم قد قتلوا في سبيل الله. فأي شيء يفرحهم إذن أكثر من رزقه الذي يتمثل فيه رضاه؟
ثم هم مشغولون بمن وراءهم من إخوانهم; وهم مستبشرون لهم; لما علموه من رضى الله عن المؤمنين المجاهدين:
((ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون. يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين))
إنهم لم ينفصلوا من إخوانهم ((الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم)) ولم تنقطع بهم صلاتهم. إنهم ((أحياء)) كذلك معهم مستبشرون بما لهم في الدنيا والآخرة. موضع استبشارهم لهم: ((أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)) وقد عرفوا هذا واستيقنوه من حياتهم ((عند ربهم)) ومن تلقيهم لما يفيضه عليهم من نعمة وفضل ومن يقينهم بأن هذا شأن الله مع المؤمنين الصادقين. وأنه لا يضيع أجر المؤمنين. .
فما الذي يبقى من خصائص الحياة غير متحقق للشهداء - الذين قتلوا في سبيل الله؟
وما الذي يفصلهم عن إخوانهم الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم؟
وما الذي يجعل هذه النقلة موضع حسرة وفقدان ووحشة في نفس الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم; وهي أولى أن تكون موضع غبطة ورضى وأنس عن هذه الرحلة إلى جوار الله مع هذا الاتصال بالأحياء والحياة!
إنها تعديل كامل لمفهوم الموت - متى كان في سبيل الله - وللمشاعر المصاحبة له في نفوس المجاهدين أنفسهم وفي النفوس التي يخلفونها من ورائهم.