وقد كان الناس انهزموا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى بعضهم إلى دون الأعراض على جبل بناحية المدينة، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان حنظلة بن أبي عامر التقى هو وأبو سفيان بن حرب، فلما استعلاه حنظلة رآه شداد بن الأسود، فعلاه شداد بالسيف حتى قتله، وقد كاد يقتل أبا سفيان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((إن صاحبكم حنظلة تغسله الملائكة، فسلوا صاحبته، فقالت: خرج وهو جنب لما سمع الهائعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لذلك قد غسلته الملائكة»)) (1)
وروى ابن سعد في الطبقات: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((إنِّي رَأَيْت الْمَلائِكَةَ تُغَسِّلُ حَنْظَلَةَ بْنَ أَبِي عَامِرٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، بِمَاءِ الْمُزْنِ، فِي صِحَافِ الْفِضَّةِ، قَالَ أَبُو أَسِيد السَّاعِدِيُّ: فَذَهَبْنَا إلَيْهِ، فَوَجَدْنَاهُ يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً، فَرَجَعْت، فَأَخْبَرْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَرْسَلَ إلَى زَوْجَتِهِ، فَذَكَرَتْ أَنَّهُ خَرَجَ، وَهُوَ جُنُبٌ)) ..
وَبِهَذَا الْخَبَرِ تَعَلَّقَ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الشَّهِيدَ يُغَسَّلُ إذَا كَانَ جُنُبًا انْتَهَى (2)
وعن ابن عباس قال:
((أصيب حمزة بن عبد المطلب وحنظلة بن الراهب، وهما جنب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رأيت الملائكة تغسلهما)) (3)
وهذا الخبر أيضًا يؤيد أن من مات شهيدًا وهو جنب فإن الملائكة تغسله، وليس مختصًا بحنظلة رضي الله عنه، لاشتراك حمزة رضي الله عنه في نفس الأمر .. ولعل ثبوت هذا الأمر لتشجيع أهل
(1) رواه البيهقي في السنن الكبرى (4/ 15)، والحاكم في المستدرك (4905)، وابن حبان (7151)، وحسنه الألباني في الصحيحة (326)
(2) نصب الراية (4/ 84)
(3) قال الألباني في أحكام الجنائز (ص 56): رواه الطبراني في " الكبير " (3/ 1489) وإسناده حسن، كما قال الهيثمي في " المجمع " (3/ 23)، ورواه الحاكم (3/ 195) دون ذكر حنظلة، وقال: " صحيح الاسناد " وتعقبه الذهبي فأصاب، لكن له شاهد مرسل قوي أخرجه ابن سعد (ج 3 ق 1 ص 9)