أقام جوهر القائد لأبي تميم صاحب مصر أبا بكر النابلسي، وكان ينزل الأكواخ
فقال له: بلغنا أنك قلت: إذا كان مع الرجل عشرة أسهم، وجب أن يرمي في الروم سهمًا، وفينا تسعة؟
قال: ما قلت هذا، بل قلت: إذا كان معه عشرة أسهم، وجب أن يرميكم بتسعة، وأن يرمي العاشر فيكم أيضًا، فإنكم غيرتم الملة، وقتلتم الصالحين، وادعيتم نور الإلهية.
فأمر حينئذ أن يشهر، فشهر في اليوم الأول، وضرب بالسياط في اليوم الثاني، وأخرج في اليوم الثالث فسلخ، سلخه رجل يهودي، وكان يقرأ القرآن ولا يتأوه، قال اليهودي: أيداخلني له رحمة فطعنت بالسكين في فؤاده حتى مات عاجلاً.
حكى صاحب النابلسي قال: مضيت مستخفياً أول يوم فتراءيت له وهو يشهر، فقلت: ما هذا؟ فقال: امتحان، فلما كان اليوم الثاني رأيته يضرب فقلت: ما هذا؟ فقال: كفارات.
فلما أخرج في اليوم الثالث يسلخ، قلت: ما هذا؟ قال: أرجو أن تكون درجات.
وكان كافور الأخشيدي قد بعث إلى النابلسي بمال فرده وقال للرسول: قل له قال الله " إياك نعبد وإياك نستعين " والاستعانة به تكفي.
فرد كافور الرسول إليه وقال له: اقرأ ((له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى)) فأين ذكر كافور ها هنا، وهل المال إلا له، فقال أبو بكر: كافور صوفي لا نحن.
قال ابن الأكفاني: توفي العبد الصالح الزاهد أبو بكر بن النابلسي، كان يرى قتال المغاربة، هرب من الرملة إلى دمشق، فأخذه متوليها أبو محمود الكتامي، وجعله في قفص خشب، وأرسله إلى مصر، فلما وصل قالوا: أنت القائل، لو أن معي عشرة أسهم .. وذكر القصة، فسلخ وحشي تبنًا، وصلب.
قال معمر بن أحمد: أخبرني الثقة، أن أبا بكر سلخ من مفرق رأسه حتى بلغ الوجه، فكان يذكر الله ويصبر حتى بلغ الصدر فرحمه السلاخ، فوكزه بالسكين موضع قلبه فقضى عليه، ولما سلخ كان يسمع من جسده قراءة القرآن.
حكى ابن السعساع المصري: أنه رأى في النوم أبا بكر بن النابلسي بعد ما صلب وهو في أحسن هيئة، فقال: ما فعل الله بك؟
فقال: ... حباني مالكي بدوام عز * وواعدني بقرب الانتصار
وقربني وأدناني إليه * وقال: انعم بعيش في جواري. (1)
??????
الإمام البويطي: لأموتن في حديدي
يوسف بن يحيى القرشي، أبو يعقوب البويطي
صاحب الإمام الشافعي، وواسطة عقد جماعته، قام مقامه في الدرس والإفتاء بعد وفاته.
وهو من أهل مصر، نسبته إلى بويط (من أعمال الصعيد الأدنى) ولما كانت المحنة في قضية خلق القرآن، حمل إلى بغداد (في أيام الواثق) محمولا على بغل، مقيدا، وأريد منه القول بأن القرآن مخلوق، فامتنع، فسجن، ومات في سجنه ببغداد.
قال الشافعي: ليس أحد أحق بمجلسي من يوسف بن يحيى، وليس أحد من أصحابي أعلم منه. (2)
قال ابن الجوزي: كان قد حمل في أيام الواثق بالله من مصر إلى بغداد في مدة المحنة وأريد على القول بخلق القرآن الكريم فامتنع من الإجابة إلى ذلك، فحبس ببغداد، ولم يزل في السجن والقيد حتى مات، وكان صالحاً متنسكاً عابداً زاهداً.
قال الربيع بن سليمان: رأيت البويطي على بغل، في عنقه غل وفي رجليه قيد، وبين الغل والقيد سلسلة من حديد فيها طوبة وزنها أربعون رطلاً، وهو يقول: إنما خلق الله سبحانه الخلق بِكُنْ، فإذا كانت كن مخلوقة فكأن مخلوقاً خلق مخلوقاً، فوالله لأموتن في حديدي حتى يأتي من بعدي قوم يعلمون أنه مات في هذا الشأن قوم في حديدهم، ولئن أدخلت عليه لأصدقنه يعني الواثق.
وقال أبو عمر ابن عبد البر الحافظ في كتاب "الانتقاء في فضائل الثلاثة الفقهاء": إن ابن أبي الليث الحنيفي قاضي مصر كان يحسده ويعاديه، فأخرجه في وقت المحنة في القرآن العظيم فيمن أخرج من مصر إلى بغداد، ولم يُخرج من أصحاب الشافعي غيره، وحمل إلى بغداد وحبس، فلم يجب إلى ما دعي إليه في القرآن، وقال: هو كلام الله غير مخلوق، وحبس ومات في السجن.
وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتاب "طبقات الفقهاء": كان أبو يعقوب البويطي إذا سمع المؤذن وهو في السجن يوم الجمعة اغتسل ولبس ثيابه ومشى حتى يبلغ باب السجن، فيقول له السجان: أين تريد فيقول: أجيب داعي الله، فيقول: ارجع عافاك الله، فيقول أبو يعقوب: اللهم إنك تعلم أني قد أجبت داعيك فمنعوني.
(1) سير أعلام النبلاء (16/ 149)، والمنتظم (6/ 210).
(2) الأعلام للزركلي (8/ 257)