تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رسولُ الله -ﷺ- لما ظهَر على خيبرَ أرادَ أنْ يُخرِجَ اليهودَ منها، وكانتِ الأرضُ حينَ ظهَر عليها لله ولرسولِه وللمسلمينَ، وأراد إخراجَ اليهودِ منها، فسألتِ اليهودُ رسولَ الله -ﷺ- أنْ يُقِرَّهم بها على أنْ يكْفُوه عملَها ولهم نصفُ الثَّمرِ، فقال رسولُ الله -ﷺ-: "نُقِرُّكم على ذلك ما شئنا". فقَرُّوا بها حتى أجْلاهم عمرُ إلى تَيْماءَ وأريحاءَ.

قال عبدُ الرَّزَّاق (١): وأخبرنا ابنُ عيينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، قال: سمِع عمرُ بنُ الخطَّابِ رجلًا مِن اليهودِ يقولُ: قال لي رسولُ الله -ﷺ-: "كأني بكَ (٢) وقد وضَعتَ كُورَكَ (٣) على بعيرِكَ، ثم سِرتَ ليلةً بعدَ ليلةٍ". فقال عمرُ: إنَّه والله لا تُمسُونَ بها. فقال اليهوديُّ: والله ما رأيتُ كلمةً كانت أشدَّ على مَن قالها، ولا أهونَ على مَن قِيْلَتْ له منها.

قال أبو عمر: ليس في قولِه في هذا الحديثِ: "أُقرُّكم ما أقرَّكم اللهُ" دليل على جوازِ المُساقاةِ إلى أجلٍ غيرِ معلوم، ومدَّةٍ غيرِ معيَّنةٍ؛ لأنَّ السُّنَّة قد أحكمَتْ معانيَ الإجاراتِ وسائرِ المعاملاتِ؛ مِن الشَّرِكةِ، والقسمةِ، وأنواع أبوابِ الرِّبا، والعلَّةُ بيِّنةٌ في قصَّةِ اليهودِ، وذلك انتظارُ حكم الله فيهم، فدَلَّ على خصوصِهم في هذا الموضع؛ لأنّه موضعُ خصوصٍ، لا سبيلَ إلى أنْ يشْرَكَهم فيه غيرُهم، والذي عليه العلماءُ بالمدينةِ أنَّ المُساقاةَ لا تجوزُ إلّا إلى أجلٍ معلوم، وسنينَ معدودةٍ، إلّا أنَّهم يكرَهونَها فيما طالَ مِن السِّنينِ، مثلَ العَشْرِ فما فوقَها.

(١) في المصنّف ٦/ ٥٦ (٩٩٩١) و١٠/ ٣٦٠ (١٩٣٧٠).

(٢) شبه الجملة لم يرد في د ١.

(٣) والكُور: هو رَحْل الناقةِ بأداته، وهو كالسَّرْج وآلتِه للفَرَس. النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير ٤/ ٢٠٨، واللسان (كور).

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار · الجزء ٤ · الصفحة ٤٣٦

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشارج ٤ · ص ٤٣٦