تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عن النبيِّ - ﷺ -: "دباغُ الأديمِ ذكاتُه" (١). وأكثرُ أحوالِ الرِّواية عن عمرَ، وابن عمرَ، وعائشةَ، أنْ تُحمَلَ على الاختلاف فتُسْقِطُها، والحُجَّةُ فيما ثبَت عن النبيِّ - ﷺ - دونَ غيرِه. وأمّا ما ذكَروه من نَعْلَي موسى - ﷺ - فلا حجَّةَ فيه؛ لأنّهما لم يكونا من جلدٍ مدبوغٍ، وإنّما كانت الحجَّةُ تَلْزَمُ لو أنّهما كانتا من جلدِ مَيْتَةٍ مَدْبوغ، هذا على أنّ في شريعَتِنا ومنهاجِنا الذي أُمِرنا باتِّباعه قولَه - ﷺ -: "أيُّما إهابٍ دُبغ فقد طَهُر" (٢).

وذكر الأثْرَمُ، قال: سمِعتُ أبا عبدِ الله سُئل عن رجلٍ صلَّى بقومٍ (٣) وعليه جلُودُ الثَّعالب، أو غيرُها من جُلود الميتةِ المدبوغة، فقال: إن كان لَبِسَه وهو يتَأوَّلُ: "أيُّما إهابٍ دُبغ فقد طهُر". فلا بأسَ أن يُصَلَّى خلفه. قيل له: فتَراه أنت جائزًا؟ قال: لا، نحن لا نَراه جائرا؛ لقول النبيِّ - ﷺ -: "لا تَنْتَفِعوا من الميْتَةِ بإهابٍ ولا عَصَبٍ" (٤)، ولكنَّه إذا كان يتأوَّلُ، فلا بأسَ أن يُصَلَّي خَلْفَه (٥). فقيل له: كيف وهو مُخطِئٌ في تَأويلِه؟ فقال: وإن كان مُخطِئًا في تأويلِه، فليس مَن تأوَّل كمَن لا يتَأوَّلُ. ثم قال: كلُّ من تأوَّل شيئًا جاءَ عن النبيِّ - ﷺ -، وعن أصحابِه، أو عن أحدِهم، فيَذهَبُ إليه، فلا بأسَ أنْ يُصَلَّى خلفَه، وإن قُلْنا نحن خلافَه من وجهٍ آخرَ؛ لأنّه قد تأوَّل. قيل له: فإنَّ من الناسِ من يقولُ: ليس جلدُ الثَّعالبِ بإهاب. فنفَض يَدَه، وقال: ما أدري أيُّ شيءٍ هذا القولُ؟ ثم قال أبو عبد الله: مَن تأوَّل فلا بأسَ أنْ يُصَلَّى خلفَه (٦). يعني: إذا كان تأويلُه له وجهٌ في السُّنَّة.

(١) سلف تخريجه.

(٢) سلف تخريجه أيضًا.

(٣) في م: "يقدم"، وهو تحريف ظاهر.

(٤) الحديث سلف تخريجه.

(٥) نقله عنه ابن قدامة في المغني ٢/ ١٤١، وينظر مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله ص ٦٦ (٢٣٧).

(٦) ينظر مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله ص ٦٦ (٢٣٧).

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار · الجزء ٣ · الصفحة ٢٦٩

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشارج ٣ · ص ٢٦٩