تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فتفرَّقوا فيها، فوجَدوا منهم قتيلًا، فقالوا للذين وجَدوه عندَهم: قتَلتم صاحبَنا. قالوا: ما قتَلناه ولا علِمنا له قاتلًا. قال: فانطلَقوا إلى النبيِّ - ﷺ - فقالوا: يا نبيَّ الله، انطلَقنا إلى خَيْبَر، فوجَدنا أحدَنا قتيلًا. فقال رسولُ الله - ﷺ -: "الكُبْرَ الكُبْرَ". فقال لهم: "تَأتونَ بالبيِّنةِ على مَن قتَل؟ ". فقالوا: ما لنا بينةٌ. قال: "فيَحلِفون لكم؟ ". قالوا: ما نَرضَى أيمانَ يهود. فكَرِه رسولُ الله - ﷺ - أن يُبطِلَ دَمَه، فوَداه بمئةٍ من إبلِ الصدَقة (١).

قال أبو عُمر: هذه روايةُ أهلِ العراقِ عن بُشَيرِ بنِ يسارٍ في هذا الحديث، وروايةُ أهلِ المدينةِ عنه أثبَتُ إن شاء الله، وهم به أقعَدُ، ونقلُهم أصحُّ عندَ أهلِ العلم.

(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (٢٨٣٩٥) و(٣٧٥٩٣)، والبخاري (٦٨٩٨) عن أبي نُعيم الفضل بن دُكين، به.

وأخرجه مسلم (١٦٦٩)، وأبو داود (١٦٣٨) و(٤٥٢٣)، والنسائي في المجتبى (٤٧١٩)، وفي الكبرى ٥/ ٤٣٤ (٥٩٦٥) من طرق عن أبي نُعيم الفضل بن دُكين، به.

وقوله في رواية سعيد بن عُبيد هذه: "تأتونَ بالبيِّنةِ على مَنْ قتَلَه" ليس هذا الحرف في رواية يحيى بن سعيد كما في حديث هذا الباب، كما لم يذكُر عرضَ الأيمان على المُدَّعين والبداءة بهم كما سيشير المصنِّف لاحقًا، وفي هذا قال الحافظ ابن حجر في الفتح ١٢/ ٢٣٤: "وطريقُ الجمع أن يُقال: حفِظَ أحدُهم ما لم يحفَظ الآخَر، فيُحمَلُ على أنه طلَبَ البيِّنةَ أولًا، فلم تكُن لهم بيِّنةٌ، فعرضَ عليهم الأيمانَ فامتَنعُوا، فعرَضَ عليهم تحليفَ المُدَعى عليهم فأبَوْا".

وفي رواية سعيد بن عُبيد أيضًا قوله: "فوَداهُ رسولُ الله - ﷺ - بمئةٍ من إبلِ الصَّدقة" وهذا مخالفٌ لما وقع في رواية يحيى بن سعيد: "فوداه - ﷺ - من عنده" وهذا ما لم يُشِرْ إليه المصنِّف رحمه الله، وقد عدَّ بعضُهم أنَّ هذا غلَطٌ من الرُّواة؛ لأنّ الصَّدقةَ المفروضة لا تُصْرَفُ هذا المصْرِف، بل هي لأصنافٍ سمّاهُم الله تعالى كما نقل النوويُّ في شرح صحيح مسلم ١١/ ١٤٨ عن بعض العلماء، واختار أن الصحيح في ذلك أنه - ﷺ - قد اشتراها من إبل الصدقة.

وحاول الحافظ ابن حجر في الفتح ١٢/ ٢٣٥ الجمع بين الروايتين، فذكر لذلك وجوهًا عديدة، ومن بينها ما ذكرناه عن النوويِّ، وما نقله عن القاضي عياض وحكايته عن بعض العلماء من جواز صرف الزكاة في المصالح العامة استدلالًا، بهذا الحديث وغيره.

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار · الجزء ١٥ · الصفحة ١٤٥

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشارج ١٥ · ص ١٤٥