تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهذه الألفاظُ تَفْقِدُ عند شيوعها على الألسنِ تأثيرهَا البلاغيُّ ، فتفتقدُ بذلك قيمتها الاجتماعية ، فيلجأ العربيُّ إلى لفظٍ آخرَ أقوى أثراً في النفس وأحسن وقعاً على الآذان، وعلى هذا تعددتْ مسميات الشيءِ الواحدِ من باب التبجيلِ والتعظيمِ لا الاستهانةِ والاستهجانِ .

بل إن من أبرزِ أسبابِ ظاهرةِ التضاد في العربية التعبيرُ بلفظِ محبوبٍ عن لفظٍ مكروهٍ لأسبابٍ نفسيّةٍ حيثُ لعبت غريزةُ التفاؤلِ والتشاؤمِ عند العربِ دوراً كبيراً في نشأةِ بعضِ ألفاظِ هذه الظاهرةِ ، فرأينا العربَ تعدلُ عن الألفاظِ الدالةِ على المعنى الحقيقيِّ إلى ضدِّها تشاؤماً من التصريح بها ، وتفاؤلاً بضدها ، يقول ابنُ قتيبةَ:

( ومن المقلوبِ أن يوصفَ الشيءُ بضدِّ صفتِهِ للتطيرِ والتفاؤلِ كقولِهم للديغِ سليمُ تطيراً من السُقْمِ وتفاؤلاً بالسلامة ، وللعطشان ناهلٌ أيّ سينهلُ يعنون يروى ، وللفلاة مفازةٌ أي منجاة وهي مَهْلَكَةٌ)( تأويل مشكل القرآن ص185) ويقاسُ على ذلك قولُ العربِ بصيرٌ للأعمى ، وقافلةٌ للمسافرين تفاؤلاً برجوعهم إذ الأصل فيها الدلالةُ على الراجعين من السفر . ونحو ذلك (في اللهجات العربية ص29 ، البلاغة وقضايا المشترك ص120) .

بل تجاوز العربُ ذلك إلى المبالغةِ في الوصفِ ، فوصفوا الأشياءَ بغير صفاتِها الحقيقيةِ خوفاً عليها من العينِ والحسدِ ، قال أبوعبيدةَ : ( مهرةٌ شوهاءُ قبيحةٌ وجميلةٌ ، قال أبوحاتم مفسراً ذلك : لا أظنهم قالوا للجميلةِ شوهاء إلا مخافةَ أن تُصيبَها عينٌ ، كما قالوا : للغراب أعورَ لحدةِ بصرِهِ)( ثلاثة كتب في الأضداد ، الأصمعي والسجستاني وابن السكيت ص137 ، في اللهجات العربية ، أنيس ص209) .

التلطف في الأساليب العربية · الصفحة ١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التلطف في الأساليب العربيةص ١٧