وقال تعالى: (وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا، فلما قضي ولّوا إلى قومهم منذرين* قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم* يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم) (1) . قال القرطبي: "وهذا يدل على أنه –أي النبي صلى الله عليه وسلم- كان مبعوثا إلى الجن والإنس" (2) .
ويدل على ذلك ما أخرجه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : " سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس" (3) .
فإذا كان الجن مخاطبين بالآيات مقصودين بالإنذار فقد صحّ أن يقع التحدي لهم.
المبحث الخامس : القدر المعجز الذي وقع به التحدي
... اختلف العلماء في القدر المعجز من القرآن على أقوال أجملها في الأقوال الثلاثة التالية:
القول الأول:
... إن القرآن قليله وكثيره معجز، وهو قول ابن حزم وعزاه إلى سائر أهل الإسلام (4) .
ودليله أن الله تعالى تحداهم بقوله: (فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين) (5) .
قال: " ولا يختلف اثنان في أن كل شيء من القرآن قرآن، فكل شيء من القرآن معجز" (6) .
(1) ( الأحقاف : 29-31)
(2) القرطبي، محمد بن أحمد ، الجامع لأحكام القرآن (16/217)، دار إحياء التراث العربي - بيروت ، ( ط2 ، 1405هـ،1985م) .
(3) ))البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري ومعه فتح الباري، كتاب التفسير، باب: فاسجدوا لله واعبدوا (8/480) رقم (4862) دار الريان للتراث- القاهرة، ( ط1/1987م) ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي.
(4) ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل (3/13) مرجع سابق .
(5) (الطور: 34) .
(6) المرجع السابق (3/13) .