فقول تعالى (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض) هنا الأمر للإباحة، فكأنه يقول ما فرغتم من الصلاة انتشروا في الأرض؛ سواء بالبيع والشراء والانتشار – أي: تفروقوا وانبثوا في الأرض لقضاء مصالحكم وتجارتكم.
(وابتغوا من فضل الله) أي: اطلبوا الرزق ممن بيده الرزق. وكان عراك بن مالك إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد وقال: اللهم إني أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني فأرزقني من فضلك وأنت خير الرازقين.. رواه ابن أبي حاكم (1) .
وقال الحسن وسعيد بن جبير ومكحول: (وابتغوا من فضل الله) هو طلب العلم، وقيل: التطوع. وعن ابن عباس: لم يؤمروا بطلب شيء من الدنيا، إنما هو عيادة المرضى وحضور الجنائز، وزيارة الأخ في الله تعالى (2) .
وروي عن أنس مرفوعاً بسند لا يصح (3) .
وقد روى البخاري، عن سهل بن سعد قال: كانت فينا امرأة تجعل على أربعاء في مزرعة لها سلقاً، فكانت إذا كان يوم الجمعة تنزع أصول السلق فتجعله في قدر، ثم تجل عليه قبضة من شعير تطحنها، فتكون أصول السلق عرقه. وكنا ننصرف من صلاة الجمعة فنسلم عليها فتقرب ذلك الطعام إلينا فنلعقه، فكنا نتمنى يوم الجمعة لطعامها ذلك (4) .
وقال ابن رجب على هذا الحديث: وفي حديث سهلٍ: دليل عل ى زيارة الرجال للمرأة وإجابتهم لدعوتها، وعلى استحباب الضيافة يوم الجمعة خصوصاً لفقراء المسلمين، فإطعام الفقراء فيه حسن مرغب فيه.
وفيه: أن فرح الفقير بوجود ما يأكله وتمنيه لذلك غير قادحٍ في فقره ولا منافٍ لصبره؛ بل ولا لرضاه (5) .
قوله تعالى: (واذكروا الله كثيراً).
قال ابن كثير: أي في حال بيعكم وشرائك، وأخذكم وعطائكم، اذكروا الله ذكراً كثيراً، ولا تشغلكم الدنيا عن الذي ينفعكم في الدار الآخرة.
(2) الدر المنثور 6/220، ونسبه لابن مردوين.
(3) رواه ابن جرير الطبري 28/67، وفي سنده أبو خلف الأعمى متروك.
(4) صحيح البخاري (938). ...
(5) فتح الباري لابن رجب 8/338.